تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

يمكننا أن نفسر العلاقة المنطقية بين التحقيق والتكذيب كما يلي: تتنبأ النظرية القائلة بأن الدببة القطبية يجب أن تكون بيضاء بأن الدب الذي سأراه في المرة القادمة سيكون أبيض، فإذا حدث أن كان الدب القادم أبيض حقا فقد يغريني ذلك بأن أقول إن مشاهدتي هذه تؤيد النظرية، ولكن الحقيقة أن هذه المشاهدة لا يمكن أن تعد برهانا نهائيا على صدق النظرية؛ ذلك لأن هناك احتمالا سيظل قائما أبدا بأن يأتي دب قادم في رتل الملاحظة غير أبيض، وإذا حدث هذا تكون هذه الملاحظة وحدها كافية لتكذيب النظرية بصفة نهائية، هكذا يتبين لنا أن التأييد لا يحسم أمر النظرية بينما التكذيب يمكن أن يكيل للنظرية ضربة واحدة قاضية.

التكذيب إذن، وليس التأييد، هو معيار العلم.

أما عن التأييد فإن بوسع أي نظرية أن تجد لها ما شاءت من الأدلة التي تتسق معها وتؤيدها، وتزعم معظم النظريات التي تدعي الصفة العلمية أنها مشيدة أصلا على أساس التفكير الاستقرائي؛ أي استقراء كل الحالات المعروفة واستخلاص تعميم يشملها جميعا، وماذا يكون التأييد هنا سوى الإتيان بمزيد من نفس الصنف من الحالات؟! إن هذا من الوجهة المنطقية هو عقم لم يأت بجديد، أما المنهج المجدي عند بوبر فهو أن نفكر استنباطيا ونفتش عن حالات مفندة للنظرية؛ لأن العثور على مثال مضاد واحد سيكون كافيا للإجهاز عليها، أما إذا صمدت النظرية ستعد قوية وأهلا بالأخذ بها باعتبارها أفضل فرضية متاحة آنيا. (2) فرنسيس بيكون : المثال السلبي فوق المثال الإيجابي

اقرأ واستمع: لا لكي تماري وتفحم، ولا لكي تعتقد وتسلم، ولا لكي تظفر بحديث أو قول، بل لكي تروز وتمحص.

فرنسيس بيكون

يقول بيكون في «الأورجانون الجديد»

Novum Organum : «من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيا (سواء لأنه الرأي السائد أو لأنه راقه وأعجبه) أن يقسر كل شيء عداه على أن يؤيده ويتفق معه، ورغم أنه قد تكون هناك شواهد أكثر عددا وثقلا تقف على النقيض من هذا الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه الشواهد السلبية ويستخف بها، وإما أن يختلق تفرقة تسول له أن يزيحها وينبذها، لكي يخلص، بواسطة هذا التقدير السبقي المسيطر والموبق، إلى أن استنتاجاته الأولى لا تزال سليمة ونافذة؛ ولذا فقد كان جوابا وجيها ذلك الذي بدر من رجل أطلعوه على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا نذورهم ومن ثم نجوا من حطام سفينة، عساه أن يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: «حسنا، ولكن أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!»

وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه، حيث نجد الناس، وقد استهوتهم هذه الضلالات، يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما الأحداث التي لا تتفق، رغم أنها الأكثر والأغلب، فيغفلونها ويغضون عنها الطرف.

على أن هذا الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم، حيث يفرض الحكم الأول لونه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ولو كان الجديد أفضل وأصوب بما لا يقاس، وفضلا عن هذا، وبغض النظر عن ذلك الهوى والضلال الذي ذكرت، فإن من الأخطاء التي تسم الفكر الإنساني في كل زمان أنه مغرم ومولع بالشواهد الموجبة أكثر من الشواهد السالبة، حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد، والحق أنه في عملية البرهنة على أي قانون صادق يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهة وفعالية» (الأورجانون الجديد، الكتاب الأول، شذرة 46).

الفصل الحادي والعشرون

| إغفال المقيدات

| Ignoring qualifications; secundum quid

قالت القاعدة للاستثناء: لماذا تعلق بجناحي دائما وتقيدني

ولا تدعني أبسط ظلي على العالم؟

رد الاستثناء على القاعدة:

أفيقي ... أنا لست عالقا بجناحك،

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٥٩