تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أشبه الحياة بالنهر: يدرج كغدير مرح، ثم يستوي تيارا عاتيا، ثم يرزح في نهاية المطاف واهنا كليلا حتى يتبدد في البحر.

ولكن ليس لأحد أن يستمد من هذا، ومن معرفته بالأنهار، مبادئ عن إدارة الأعمال أو عن العلاقات الإنسانية!

وانظر إلى هذا الرأي التشبيهي للملك جيمس الأول:

النظام الجمهوري هو نظام زائف ومدمر؛ ذلك لأن الملك هو رأس الدولة، وإذا أنت فصلت الرأس عن الجسد فلن تعود بقية الأعضاء تؤدي وظائفها، وسيموت الجسد كله.

هكذا يتبدى بؤس التفكير التشبيهي: فالدولة لا تشبه الجسد الحي إلا مجازا وتصويرا بيانيا، ولا يمكن أن يستنبط من هذا التماثل أي قواسم مشتركة حقيقية تجمع بين الجسد والدولة.

وقد يذهب جميع الشموليين نفس المذهب، فيقولون إن الدولة أشبه بالجسد، يعمل على أفضل نحو إذا كان ثمة دماغ حاد يديره؛ لذا فإن الحكومات المتسلطة أكثر كفاءة من غيرها من الحكومات.

لا تتطرق أي من هذه التشبيهات الزائفة التي تشبه الدولة بالجسم الحي إلى الحديث عن كبد الدولة أو بنكرياسها أو آليات الإخراج بها!

ويلحق بذلك تشبيه الحضارات بالكائن الحي، وهو تشبيه تزخر به تفسيرات التاريخ ونظرياته، ففي محاولة إضفاء معنى ما على مسار التاريخ تبزغ كل صنوف المقارنة. إن جميع الحضارات السالفة تشترك في أنها الآن ماض وأنها كانت ذات يوم حضارات وأنها قبل ذلك لم تكن، ومن هذه الحقائق الثلاث النافلة المبتذلة خلص كثير من المؤرخين إلى «تشبيه دورة الحياة»

life cycle analogy : فالتعاقب البسيط «غير حي ←

حي ←

لم يعد حيا» يستدعي مقارنة لا تقاوم بالكائن الحي، وقد بلغ الغلو بالبعض إلى أن يمتد بالتشبيه إلى تبرير الاستعمار، ذلك أن الحضارة حين تبلغ أشدها فمن الطبيعي أن تنزع إلى التكاثر بأن تنثر بذورها في أماكن بعيدة!

وفي مجال نظرية العلاقات الدولية ثمة مغالطة شهيرة يطلق عليها

domestic analogy ، تقوم على تشبيه العلاقات بين الدول بالعلاقات بين الأفراد بحيث إن الأمور البينشخصية

interpersonal - أخلاقياتها وعلاجها - يتم إسقاطها على مبادئ السياسة الخارجية!

وجدير بالذكر أن تأثير الأنالوجي الزائف قد يكون مدمرا إذا انقلب ضد من استخدمه، فمن التقنيات الفعالة في فن المناظرة أنه إذا استخدم الخصم تشبيها لكي يدعم حجته فما عليك سوى أن تمسك بطرف هذا التشبيه وتمطه في اتجاه يخدم حجتك أنت، فينقلب السحر على الساحر! عندئذ سيضطر خصمك إلى التسليم بأن تشبيهه لم يكن موفقا، وسيخسر نقاطا في نظر الجمهور، مثال ذلك أن يقول رئيس اللجنة (في مشروع لا تستريح له أنت ولا تأمن عواقبه):

ونحن إذ نبحر قدما في لجنتنا الجديدة دعوني أعرب عن أملي في أن نتكاتف سويا من أجل رحلة سلسة.

فبوسعك عندئذ أن تقول:

السيد رئيس اللجنة على حق، ولكن تذكروا أن المجذفين كانوا دائما يوضعون في سلاسل ويضربون بالسياط، وكانوا إذا غرقت السفينة يغرقون معها! (4) أنالوجي يتلمظ بدم بشري!

إنك لا يمكنك أن تصنع عجة دون أن تكسر بيضا.

لينين

منذ أن جادت قريحة لينين بهذه الصورة المعجبة أصبح هذا التشبيه البياني في القلب من فلسفة الثورات والانقلابات، وغدا ذريعة مقنعة غاية الإقناع لسحق المعارضة دون رحمة: أية رحمة؟! إنك في مرحلة شديدة الخصوصية من مراحل سير التاريخ، أنت فيها إما قاتل وإما مقتول، وعندما تقتل وأنت في هذه المرحلة فإن عليك أن تستأصل؛ لكي تستيقن من أنك واريت العدو وثأره، أي أن تتخلص من الطبقة الحاكمة والمعارضة وكل من لديه بهما أدنى صلة حتى الأجنة في البطون! حسن فالغاية تبرر الوسيلة على كل حال، وقسوتك، بعد كل شيء، مبطنة بالرحمة: الرحمة بالطبقات الكادحة وهي الغالبية العظمى دائما وأبدا!

غير أن هذه «المرحلة التاريخية» (التي تصور دائما على أنها عابرة مؤقتة) تظل «مقيمة» لا تبرح! فلما كانت الأهداف المثالية البعيدة المنال يتأخر مجيئها طويلا، وفترة خنق النقد والمعارضة تطول أكثر فأكثر، فإن الاضطهاد والاستبداد سيزدادان حدة (وإن خلصت النوايا)، وبالضبط لأن المقاصد والأهداف ترى مثالية فإن الفشل المستمر في تحقيقها جدير بأن يؤدي إلى القذف بالتهم وادعاء أن «شخصا ما يهز القارب!» - لا بد أن هناك تخريبا، أو تدخلا أجنبيا، أو قيادة فاسدة (إذ إن جميع التفسيرات الممكنة التي تستثني الثورة نفسها تتضمن بالضرورة خبثا وشرا من جانب شخص ما)، حينئذ تبرز ضرورة كشف المذنبين واستئصال شأفتهم، ومن طلب مذنبين وجد مذنبين! وهنا يكون النظام الثوري قد غرق إلى الأذقان في دم غليظ.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٥٠