تسمى هذه الظاهرة في العلم «مشكلة درج السجلات» (أو درج الملفات)
file drawer problem : وهي مشكلة تنجم حين يحاول العلماء تحديد ما إذا كانت نتيجة ما هي حقيقية أم زائفة بناء على التراث البحثي المنشور، تأتي المشكلة عندما تكون هذه النتيجة هزيلة (أو غير موجودة) ولا تحدث إلا مصادفة، ومن ثم فإن من يقع عليها من الباحثين يسجلها وينشرها، مصحوبة بالهتاف والتهليل، أما الباحثون الذين لم يقعوا على هذه النتيجة قط فإنهم لا ينشرون أبحاثهم عادة وإنما يلقون بها في أدراج السجلات، هكذا تبدو الظاهرة الزائفة حقيقة علمية، لا لشيء إلا لأن الأبحاث العديدة المكذبة لها قد طويت في الأدراج، بينما نشرت الأبحاث القليلة الشاذة التي تؤيد الظاهرة، فكانت لافتة للأنظار بصخبها وبريقها.
أمثلة أخرى (1)
لبست هذا القميص اليوم وذهبت إلى الامتحان فأجبت عن جميع الأسئلة بإجادة تامة، إذن هذا القميص فأل حسن ولسوف أرتديه في كل الامتحانات القادمة. (غني عن البيان أنني أجدت في الامتحان لأني كنت مستعدا له استعدادا طيبا بالمذاكرة والدرس، وليس لأنني لبست هذا القميص أو ذاك!) (2)
تكسف الشمس، فيهرع أفراد القبيلة عن بكرة أبيهم، ويظلون يدقون الطبول بعنف، ثم تبرز الشمس من وراء الحجاب، إذن دق الطبول يسترد الشمس ويخرجها من كسوفها. (3)
أصيب حسن بصداع شديد، فعجنت له جدته عجينة من الدقيق والخل وزيت السمك وبول الأرنب، لصقها برأسه ونام، فذهب عنه الصداع بعد دقائق. (كثيرا ما يذهب الصداع تلقائيا بذهاب سببه الحقيقي.) (4)
تشوشت الصورة في تلفاز سعيد، فخبط بقوة على التلفاز، فانصلحت الصورة، إذن خبط الجهاز هو أيسر طريقة لإصلاح أعطال التلفاز. (5)
عطس منصور في منزله بالقلعة، وبعد ثوان وقع تسونامي المحيط الهندي، إذن عطسة منصور فجرت كارثة التسونامي. (6) تذييل: الأثر البلاسيبي
placebo effect
نزغ في قلب البحث الطبي
ثمة ظاهرة ينبغي إلحاقها بمغالطة السبب الزائف، وهي ظاهرة طبية لافتة يقال لها «الأثر البلاسيبي»
placebo effect ، وهو تحسن صحي، محس أو ملاحظ أو مقيس، لا يعزى إلى العلاج، وتعبير
placebo
هو تعبير لاتيني يعني «سوف أسر» أو «سوف أرضي»، والبلاسيبو هو دواء، أو إجراء علاجي، يعتقد المعالج أنه خامل أو «لا يضر»، قد يكون البلاسيبو حبوبا من السكر أو من النشا، وحتى الإجراء الجراحي الزائف، أو العلاج النفسي الزائف، قد يعد ضربا من «البلاسيبو».
وفي الدراسات الطبية عن الأثر العلاجي الحقيقي لدواء مقترح يستخدم الباحثون، إلى جانب مجموعة المرضى الذين يعالجون بالدواء، «مجموعة ضابطة»
control group
تتناول البلاسيبو بدلا من الدواء الحقيقي، وذلك حتى يتسنى ملاحظة الفرق بين تأثير العلاج الحقيقي وتأثير العلاج الوهمي (إذ إن للعلاج الوهمي تأثيرا!) وقياس مدى أفضلية الدواء الجديد على البلاسيبو، والبرهنة من ثم على أنه علاج حقيقي فعال.
يرد بعض الباحثين هذا الأثر البلاسيبي إلى مجرد شعور «ذاتي» بالتحسن كنتيجة للاعتقاد في العلاج والإيمان بتأثيره الشفائي، ويرده البعض إلى «المسار الطبيعي»
natural course
للمرض، بما يعتريه من «اشتدادات»
exacerbations
و«هدآت»
remissions
وفترات هجوع طويلة وتراجع طبيعي، وربما الشفاء التلقائي التام كمآل طبيعي لكثير من الأمراض والإصابات.
غير أن تراكم الأبحاث وتواتر الملاحظات المؤيدة للأثر البلاسيبي يشير إلى أن الأمر أكبر من مجرد إحساس ذاتي زائف: ثمة تحسن حقيقي مشهود وموثق ومقيس، حتى في بعض الأمراض العضوية المكينة:
يزيل بعض الأطباء أنواعا من الزوائد الجلدية بدهانها بصبغة خاملة براقة والوعد بأنها تزول مع زوال الصبغة!
وفي دراسات عن الربو الشعبي تبين أن استنشاق بلاسيبو يوسع الشعب الهوائية توسيعا حقيقيا مقيسا.