cause
والألم «مسببا»
effect
أو «معلولا» أو «نتيجة»؛ لأننا نتوقع الثاني كلما حدث الأول، ونحن بالطبع نلفق تفسيرات لنملأ الثغرات غير المرئية بين الحدثين، فكيف عرفنا أن هذه الأحداث غير المنظورة هي الأسباب حقا؟! لا شيء ... إنها تتوالى دائما ويعقب بعضها بعضا!
3
هذه الفجوة في معرفتنا هي مرتع خطيب وملاذ آمن للمغالطات.
كان مؤرخو الإغريق دائما يفسرون الكوارث الطبيعية كنتاج لأفعال البشر، فإذا حدث زلزال مروع مثلا ودمر مدينة بكاملها، فإن هيرودوت يعمد بهمة وجد إلى تفصيل الأحداث البشرية السابقة على الزلزال، ثم يستنتج أن المذبحة التي ارتكبها أهل المدينة، مثلا ، قبل الزلزال كانت سببا في وقوعه.
وقد قدم عالم الاجتماع الأمريكي جراهام سمنر نظريته فيما أسماه ب «الطرق الشعبية» أو «العادات الشعبية»
folkways ، التي ترد الأحكام الأخلاقية إلى مظاهر لا عقلية في أساسها، لقوى اجتماعية هي ذاتها غير عقلية، هذه الطرق الشعبية هي عادات شعبية مستقلة عن أفكارنا عنها، ولا تسير حسب قواعد معقولة، وهي لا تتفق إلا مع المزاج أو الموقف العام لزمانها ومكانها المعينين، ولها ما يمكن أن يعد حياة خاصة بها، ذلك أن سمنر يرى أنها تولد وتكبر وتموت ولا يمكن أن يؤثر فيها تأثيرا يذكر إلا قوى قليلة (منها التعليم)،
4
من هذه الطرق ما هو ناتج عن استدلال خاطئ، وبخاصة خطأ «السبب الزائف»، يقول سمنر: إن الطرق الشعبية قد تكونت بطريق المصادفة، أو بواسطة فعل غير عقلاني وقائم على معرفة زائفة، من ذلك أن وباء الطاعون لما تفشى في مولمبو
Molembo
عقب وفاة أحد البرتغاليين اتخذ الأهالي كل الاحتياطات الممكنة لكي لا يموت رجل أبيض بعد ذلك في بلدهم، ومن ذلك ما حدث في جزر نيكوبار على أثر وفاة بعض من السكان الأصليين كانوا قد بدءوا لتوهم في مزاولة حرفة الخزف، إذ انفض الجميع عن مزاولة هذا الفن ولم يقربه أحد بعد ذلك على الإطلاق، ومن ذلك ما حدث في إحدى قرى جنوب أفريقيا حين أهدى البيض رجلا من البوشمن عصا مرصعة بالأزرار كرمز للسيادة، إذ توفي الرجل وخلف العصا لابنه، وسرعان ما توفي الابن، فأعاد البوشمن العصا إلى من أهداها خشية أن يموت الجميع، وقد تصادف مرة أن انتشر الجدري بين شعب الياكات بعد أن شهدوا جملا لأول مرة، فوقر في ظنهم أن الجمل هو الذي أحدث المرض ... وبوسعنا أن نجمع ما لا يحصى من هذه الشواهد، وهي في الحقيقة تمثل الطريقة المتبعة في الاستدلال العقلي لدى الشعوب البدائية، فمن عادة هؤلاء الأقوام إذا حدث شيء «بعد» شيء آخر أن يستدلوا من ذلك أنه حدث «بسببه».
5
وما تزال هذه الطريقة في التفكير تعشش في أذهاننا حتى اليوم ، فالتسونامي الآسيوي سببه تفاقم ذنوب البشر (مع أن التسونامي نتاج زلزال تحت المحيط ناجم عن انزلاق طبقي، والضحايا ربما كانوا أقل أهل الأرض ذنوبا) وإعصار كاترينا سببه السياسة الأمريكية (مع أن الأعاصير سببها حركة الرياح فوق ماء المحيط)، وما دامت هناك حقا فجوة في معرفتنا، فلن يمكنك أن تقنع من مال به هواه إلى تفسير معين دون سواه.
على هذه المغالطة السوقية تقوم حرف وترتزق طوائف: العرافة والفأل والتنجيم والرقي والتعازيم والكهانة والعلاج الشعبي.
يبشرك العراف بأحداث سعيدة، وتأتيك أحداث سعيدة؛ لأن الأحداث السعيدة تحدث طوال الوقت على كل حال، وينذرك المنجم بعواقب وخيمة، وتنزل بك نوازل غير سارة؛ لأن النوازل غير السارة تنزل دائما على كل حال، ويصف لك المشعوذ حجابا يشفي مرضك، ثم تشفى من المرض؛ لأن أغلب الأمراض يشفى تلقائيا بمرور الوقت (وإلا لما بقي حي على الأرض إلى اليوم) يتذكر الناس الرميات الصائبة والتوقعات الناجحة، ويتداولونها فيما بينهم مضخمة ومنتقاة، فتستقر في ذاكرتهم دليلا على صدق العراف أو المنجم أو المعالج، بينما تنسى تلقائيا تلك الرميات الخائبة والتوقعات الفاشلة، وهي الأكثر والأعم بما لا يقاس، وتنسدل عليها ستائر النسيان.