وفي التهابات القولون وجد تحسن حقيقي في خمسين بالمائة من المرضى إثر تعاطيهم دواء خاملا (بلاسيبو).
ومن الروايات البحثية الفذة ما سجله أحد أطباء القلب بصدد الإجراء الجراحي المعروف بربط الشريان الثديي الداخلي في بعض حالات الذبحة الصدرية (لزيادة المدد الدموي إلى عضلة القلب): فقد وجد الأطباء، بالمصادفة، أن الجراحة الوهمية المتضمنة لمجرد الفتح الجراحي من دون ربط الشريان قد أدت إلى نفس الأثر العلاجي. (وهو تحسن 90٪ من المرضي!)
في ضوء هذه النتائج الملموسة الثابتة ربما يكون التفسير الأمثل لظاهرة «الأثر البلاسيبي» هو التفسير البيوسيكولوجي، فمن الواضح أننا بإزاء ظاهرة معقدة ربما لا يسعها إلا تفسير مركب يضفر التفسير النفسي بتفسير بيوكيميائي: فمن شأن «الاعتقاد» في العلاج، ومشاعر الاهتمام والرعاية، والمساندة والتشجيع والأمل، التي يبثها الموقف العلاجي، أن تستفز في الجسم آليات فسيولوجية تفضي إلى أثر فيزيقي حقيقي:
قد يكون هذا الأثر من خلال إطلاق «الإندورفينات»
endorphins
في مواضعها ومساراتها العصبية.
وقد يكون من خلال حفز جهاز المناعة.
وقد يكون من خلال تنشيط محور عصبي هرموني هو «محور المهاد التحتي-النخامية-الكظرية»
hypothalamo-hypophyseal-adrenal axis .
لعل هذا الهامش الشفائي الذي يتيحه الأثر البلاسيبي (إلى جانب الهجوع التلقائي للمرض) هو الباب الموارب الذي ينفذ منه الدجالون والأدعياء، والكثير من ألوان ما يسمى ب «الطب البديل»
alternative medicine ، إلى الساحة العلاجية: العلاج بالرقى، العلاج بالزار، العلاج بالعطور، «العلاج المثلي»
homeopathy ، «الانسجام الحيوي»
bioharmonics ، «الكيروبراكتيك» (العلاج بتقويم العمود الفقري يدويا)
chiropractic ... إلخ.
قد يقول قائل: وما الضير؟! وماذا يجديني أن أعرف كيف يحدث الشفاء ما دام الشفاء يحدث؟
والجواب أن هذه الضروب من «تناسخات البلاسيبو»، على فوائدها التصادفية في بعض الحالات، إنما تغشي على المسار الجاد للبحث الطبي الحقيقي، وتضل عن التماس العلاج الصحيح في مظانه الصحيحة، وتستبدل به هراء بلاسيبيا «تفته» لأناس ذاهلين بالمرض غارقين في الأغاليط، إن البلاسيبو لن يستأصل ورما، ولن يجبر كسرا، ولن يكبح صرعا، ولن يوقف نزيفا، ولن يغسل كلى، ولن ينقذ حالة حرجة ... ولو كان هامش البلاسيبو يكفي لعلاج الناس لما نشأ المرفق الطبي لدى البشر منذ البداية.
وبعد، فإن تناسخات البلاسيبو تريد أن تبيعنا بضاعة بأكثر من ثمنها، فالأثر البلاسيبي قائم ومبذول ومتضمن ومبيت سلفا في كل دواء وفي كل إجراء علاجي، إنما تسعى الأبحاث الدوائية إلى إثبات جدوى علاجية تتجاوز الأثر البلاسيبي بفارق ذي دلالة.
الفصل السادس عشر
| السؤال المشحون (المركب)
| loaded question (complex question)
سأل ألكسينس من إليس أحد الفلاسفة على سبيل السفسطة: «هل أقلعت عن ضرب أبيك؟» فما كان جواب الفيلسوف إلا أن قال: «لم أكن أضربه ولم أقلع!»
لا تسلم بالأسئلة ... حلل السؤال قبل أن تجيب عليه.
جون سيرل
درس الفلسفة هو كيف تسأل لا كيف تجيب. ***
السؤال المشحون أو المركب هو تكنيك يعمد إلى دس «فروض مسبقة»
presuppositions
غير مبررة وغير داخلة في التزامات الخصم، داخل سؤال واحد، بحيث إن أي جواب مباشر يعطيه المجيب يوقعه في الاعتراف بهذه الفروض، والمثال التقليدي على المغالطة. «هل توقفت عن ضرب زوجتك؟»
فأيا ما كان الجواب، نعم أو لا، فإن المجيب يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقت ما يضرب زوجته، حين يكون هذا الفرض المسبق كاذبا أو غير مبرهن عليه يكون هذا مثالا لمغالطة السؤال المركب أو الملغوم، إنه شرك أو أحبولة؛ لأنه يضيق على المجيب نطاق الخيارات إلى صنف واحد من الإجابة المباشرة، أو عدد ضئيل من احتمالات الجواب المباشر من شأنها جميعا أن تزعزع موقفه في الحوار.