في بعض الولايات الأمريكية وجد أن معدلات الإدمان تتزايد مع زيادة الفقر؛ إذن الفقر يؤدي إلى الإدمان. (الصواب أن التمييز العنصري في هذه الولايات كان يفضي إلى الإحباط والتراخي فيؤدي إلى كل من الفقر والإدمان معا.)
مثل هذه الطريقة التبسيطية في التفكير لن تؤدي إلا إلى حلول تبسيطية، ولن تؤدي الحلول التبسيطية إلا إلى الفشل وإهدار الوقت والجهد، ما دام «السبب المشترك»
common cause
يقبع هناك آمنا من الملاحظة والرصد، وبالتالي من التناول والعلاج. (4) الاتجاه الخطأ (للعلاقة السببية)
wrong direction
في هذه المغالطة نجد العلاقة بين العلة والمعلول (السبب والنتيجة) معكوسة، حيث يؤخذ المعلول كعلة وتؤخذ العلة كمعلول.
أمثلة (1)
انتشار مرض الإيدز ناتج عن زيادة الثقافة الجنسية. (العكس هو الصحيح: وهو أن زيادة الثقافة الجنسية ناتجة عن انتشار الإيدز وتخوف الناس منه.) (2)
يزداد انتشار الأمراض الفصامية بين الطبقات الاجتماعية الدنيا؛ إذن تدني الطبقة الاجتماعية يؤدي إلى الفصام العقلي. (الصواب أن المرض العقلي المزمن يؤدي إلى تدهور أداء المريض الدراسي والمهني والاجتماعي، فيهبط به شيئا فشيئا إلى طبقة اجتماعية أدنى، وهكذا من يصاب وراثيا من نسله، وتسمى هذه الظاهرة
drift phenomenon ) (3)
وجد أن هناك ارتباطا بين معدل امتلاك السلاح في بعض الولايات ومعدل ارتكاب الجرائم؛ إذن امتلاك السلاح يؤدي إلى انتشار الجرائم. (الصواب أن انتشار الجرائم يقلق المواطنين الآمنين فيستخرجون رخص الأسلحة للتحوط والحماية.) (5) بعد هذا إذن بسبب هذا (المغالطة البعدية/بعقبه إذن بسببه)
post-hoc ergo propter hoc a posteriori fallacy
ذات يوم في الزمان
أخذ الديك غرور قاتل،
فصاح معجبا: إنني حقا ملك المزبلة، بل ملك العالم،
إني لأستل الفجر من مكمنه بصياحي،
وبوسعي إن شئت أن أكف عن الصياح فأجعل الليل سرمدا،
جذب الصوت شقيا كان يفتش في المزبلة عن رزق،
فجعل من الديك وجبة دسمة ...
هذا ولم يزل الفجر يطلع على الأرض إلى يومنا هذا.
يصيح الديك قبل الفجر، ثم يأتي الفجر وينبلج الصباح، إذن صياح الديك يطلع الصبح ويسل الشمس من مكمنها، هكذا فكر الديك وهكذا تمضي «المغالطة البعدية»
a posteriori fallacy ، تفيد المغالطة البعدية أنه ما دام شيء ما قد أتى بعد شيء آخر فهو إذن قد أتى بسببه، لقد حدث بعقبه إذن فقد حدث بسببه، أليست المعلولات دائما تأتي في أعقاب العلل؟
إن المعلومات لتأتي حقا بعد عللها، غير أن هذا «شرط ضروري»
necessary condition
لعلاقة العلية وليس «شرطا كافيا»
sufficient condition ، فلكي يوصف حدث ما «أ» بأنه «سبب» لحدث آخر «ب» ليس يكفي أن يأتي قبله، فإثبات علاقة العلية يتطلب ما هو أكثر من مجرد التعاقب أو الارتباط: يتطلب أن جميع أفراد فئة «ب»، في عينات وافرة وممثلة للفئة «ب»، تأتي دائما وأبدا بعد جميع أفراد فئة «أ»، وتغيب دائما «ب» في غياب «أ»، مع شيء من التجاور في المكان والزمان، وغياب أي عامل آخر قد يكون وراء حدوث الاثنين معا ... إلى آخر ذلك مما فصله البحث العلمي عن شروط إثبات العلاقة السببية، والطرائق العملية والإحصائية لإثبات ذلك.
أما الاكتفاء بمجرد التعاقب الزمني كدليل على علاقة السببية فهو تفكير شديد الفجاجة والسوقية، وهو سوقي لأنه يتسم بالشيوع والدخل، وبه يتقوم كل التفكير الخرافي والسحري وحكايا العجائز والوصفات الطبية الشعبية وثرثرة مجالس الفراغ والتبطل.
حين نضع جانبا ذلك التصور اليومي عن العلة والمعلول، ونتأمل الأمر بدقة وحيدة وعمق نجد أننا، رغم توهمنا فهم الآليات التي يؤدي بها كل حدث إلى الآخر، لا نشهد في الحقيقة شيئا اسمه «العلية»، وكل ما نشهده هو تواترات وارتباطات وتتابعات من الأحداث، بحيث تئول فكرة السببية في النهاية إلى «توقعنا» للاطراد والارتباط، تقترب الإصبع من اللهب فتتألم، فنسمي اللهب «سببا»