تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمكن تجريد الصورة المنطقية للإحراج الزائف كما يلي:

إما «ق» وإما «ك»،

لا «ق»؛

إذن «ك».

من الواضح أن هذا القياس صحيح بحد ذاته ولا غبار عليه، مثال ذلك:

إما أن سليمان ميت وإما أنه حي،

سليمان ليس ميتا؛

إذن سليمان حي.

ومثال آخر:

إما أن عمر لديه رخصة قيادة وإما أنه غير مسموح له بالقيادة،

عمر لم يحصل على رخصة قيادة؛

إذن عمر غير مسموح له بالقيادة.

ويأتي الخلل دائما إذا كانت «ق» و«ك» لا تستغرقان جميع الاحتمالات القائمة بحيث يحق لنا تجريد الصورة المنطقية للإحراج الزائف، بغية الإيضاح والدقة، كما يلي: (1)

إما أن تختار «ق» وإما أن تختار «ك»، (2)

ليس هناك اختيارات أخرى، (3)

لا يمكنك أن تختار «ق»؛

إذن لا بديل لك من أن تختار «ك».

ويكمن الخلل هنا في كذب المقدمة 2؛ ومن ثم لا يلزمك لكي تفند للخصم حجته وتظهره على خطئه سوى أن تكشف له هذه المقدمة المضمرة أو الافتراض المسبق: «ليس هناك بدائل أخرى»، وتخرجه إلى واضحة النهار.

حين يعم الاستقطاب الذهني ويتواتر يصبح سمة شخصية تميز الفرد، أو أيديولوجية جمعية تميز الجماعة، وهو على المستويين لا يورث إلا العجز والجمود، يقول د. آرون بك رائد العلاج المعرفي: «يميل العصابي إلى التطرف والشطط في التفكير حين تكتنفه مواقف تمس الجوانب الحساسة من نفسه، مثل تقديره لذاته في حالة الاكتئاب، واحتمالات الخطر الشخصي في حالة عصاب القلق، وقد يقتصر الشطط الفكري على مناطق قليلة، ويعني الشطط (التطرف الفكري

thinking in extremes ) أن نسم الأحداث والوقائع بأنها بيضاء أو سوداء، حسنة أو سيئة، رائعة أو فظيعة، وقد أطلق على هذه الخاصة اسم «التفكير المنقسم»

dichotomous thinking

أو «التفكير ثنائي القطبية»

bipolar thinking ، شأن المقدمات الأساسية التحتية لهذا النوع من التفكير أن تصاغ في حدود مطلقة مثل «دائما» أو «مطلقا».»

1

ويتجلى الاستقطاب الذهني الجمعي في أوضح صورة في ظاهرة العنصرية أو ما يعرف بمركزية العرق

ethnocentrism ، وتعني مركزية العرق النظر إلى الأشياء على أن جماعتنا هي محور كل شيء والإطار المرجعي الذي يقاس عليه كل شيء آخر وتقيم به كل الجماعات الأخرى: جماعتنا هي الصواب وغيرها الخطأ ... هي الحق وغيرها الباطل، هذه العنصرية الصميمة هي التي تحمل كل شعب على أن يغلو في أية عناصر يجدها خاصة به وحده ومميزة له عن الآخرين، وهذا الاستقطاب الذهني هو الذي يفضي بالحضارات إلى التجمد والذبول، وهو الذي يذكي الضغائن بين الجماعات المختلفة ويورطها في صراعات منهكة ويزجي بها إلى حروب مقدسة في وهم الطرفين، ويعطلها في هذا العصر عن الاندماج في المجتمع الكوكبي الجديد. إن أول ما يحيد بالجماعات عن المنطق السديد وعن الاندماج الجديد هو التفكير المستقطب: عقلية «نحن-مقابل-هم»، حيث يقيم كل طرف بتبسيط مفرط: فإما خير كله وإما شر كله.

2

الفصل الخامس عشر

| السبب الزائف (أخذ ما ليس بعلة علة)

| false cause; non causa pro causa

تتقاطر الأحداث في الزمان،

لا تأبق منه

موثوقة بآناتها دائما،

ولكن غير موثوقة بجاراتها بالضرورة. *** (1) لماذا تحدث الأشياء؟

يميل البشر بطبيعتهم إلى تفسير الأحداث وإدراك سببها؛ ولذلك أسسوا العلم، الأصيل منه والزائف. ما سبب المرض؟ ما سبب الدمار، والحروب، والكسوف والخسوف، والزلازل، والأعاصير، والركود الاقتصادي ...؟ إن في جبلة العقل البشري أن يربط الأشياء لتكون نمطا أو هيئة أو شكلا، وأن يصل النقاط المنفصلة، ويملأ الثغرات، ليستوي له نمط ذو معنى لديه، وهو يرتبك ويتأزم إذا لم يميز أنماطا؛ لأن به ولوعا بالتنبؤ، ورغبة في السيطرة على الأحداث.

تطرد الأحداث أمام الإدراك البشري في أنماط معينة من التصاحب والتعاقب والتجاور في المكان والزمان، فيستل من ذلك «علاقات ارتباط» تثير فيه عادة «التوقع»، وقد تترسخ فيه عادة التوقع فتحول علاقة «الارتباط»

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٤٢