تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حين أقول «هذا كذب» فإن ما أقوله هو عبارة بسيطة من حيث الصيغة اللغوية، غير أنها بساطة خادعة: فإذا ما قمنا بتحليل لمعنى العبارة «ق كذب» وجدنا أنها تصدق إذا ما توافرت الشروط الأربعة التالية: (1) «ق» غير صادقة. (2)

قائل «ق» يعرف أنها غير صادقة، (3)

القائل يقصد أن يقول «ق»، (4)

القائل يقصد أن يجعل المستمع يعتقد «ق».

رغم أن كلا من هذه الشروط هو شرط «ضروري»

necessary

لمعنى كلمة «كذب» فإن الشروط الأربعة ليست «كافية»

sufficient ؛ ذلك أنها لا تفي إلا بالمعنى الإشاري المباشر

denotation

لكلمة «كذب»، ويظل هناك نطاق عريض لمعان إضافية ضمنية

connotation ، فالمرء لا يمكن أن يكون جادا في قوله «هذا كذب» ما لم يعمد أيضا إلى إهانة القائل ووصمه وتقريعه؛ ومن ثم فكلمة «كذب» تعني أيضا، فيما تعني، الازدراء، السخط، الإدانة، الشجب، الردع ... إلخ.

تلك هي الوظيفة «الإيعازية»

perlocutionary

للغة، التي تحدث عنها جون أوستن

J. Austin (1911-1960م) رائد نظرية «أفعال الكلام»

speech acts . في هذا المستوى من الأفعال الكلامية يريد القائل من قوله أن يحدث تأثيرات في المتلقي: إقناعا، خشية، رهبة، ردعا، إسخاطا ... إلخ.

وتلك أيضا هي الوظيفة الانفعالية

emotive function

للغة، التي تحدث عنها أوجدن ورتشاردز، ومنذ أن أشارا إلى أهمية الوظيفة الانفعالية للغة في كتابهما «معنى المعنى» تخلق اتجاه إلى شجب المصاحبات الانفعالية المحتومة للكلمات والجزع من كثرة الظلال الإضافية للألفاظ كمصدر للزلل والمغالطة، وما تقدم العلم تقدما متصلا إلا لالتماسه لغة محايدة دقيقة للتواصل، وتخليه عن المتضمنات العاطفية والخيالية للألفاظ في لغته ومعادلاته، وقد أدرك المفكرون أهمية أن تحذو المناقشات السياسية والدراسات الإنسانية في ذلك حذو العلم، وتشيد نماذج لغوية خالية من الضوضاء الانفعالية قدر المستطاع، ومنذ أفلاطون، في حقيقة الأمر، نهضت تيارات تستنكر ميل البشر إلى الاستمالة العاطفية بدلا من الإقناع العقلي، وتحذر من إساءة استخدام الوظيفة الانفعالية للغة في إعاقة التفكير المنطقي والتعتيم على الحقيقة، وفي زمننا المعاصر علت صيحات مدوية ضد «الألفاظ الملونة»

colored words

وضد «استبداد الكلمات»

tyranny of words .

حين تكون اللفظة محملة بمتضمنات انفعالية وتقويمية زائدة، بالإضافة إلى معناها المباشر، يقال لها «لفظة ملقمة»

loaded word

أو مشحونة، فالكلمة الملقمة مثل البندقية الملقمة بالذخيرة، والمعنى الانفعالي أو التقويمي هو الرصاصة، حين أستعمل لفظة «بهيمة» بدلا من «حيوان»، ولفظة «رشوة» بدلا من «حافز» ... إلخ، فأنا عندئذ أستخدم ألفاظا ملقمة تفعل فعلا آخر غير مجرد رصد الحالة الموضوعية: إنها تحكم وتقوم وتحرض وتوعز، انظر أيضا في هذه القائمة من الكلمات:

صارم

عنيد

واثق

متعجرف

ودود

مداهن

مجامل

متملق

متساهل

متسيب

سهو

إهمال

كائن متعايش

طفيل

مجتمع نام

مجتمع متخلف

بدائي

همجي

بسيط

ساذج

يقول

يدعي

مدقق

موسوس

ليست كل لغة مشحونة هي لغة مغالطة بالضرورة، وإلا لكان كثير من الدراسات، وكل الأدب والشعر، ركاما من المغالطات! ونحن نريد، في حقيقة الأمر، أن نكون قادرين في بعض الأحيان أن نسخر الطاقات الانفعالية والخيالية للكلمات في خدمة الحقيقة، نريد أن نقول للقتلة الدمويين: أنتم سفاحون مجرمون، ولا نقول: أنتم حراس النظام الجديد ومبطلو الثورة المضادة! ونريد أن نقول للإرهابي: أنت أناني مشوش تتوهم حلا سحريا لمأزقك الوجودي وتؤمن لنفسك مستقبلا أخرويا على حساب غيرك. وأن نقول للمتزمتين: أنتم تغالبون ربكم، وتريدون إزالة اللون من لوحة الدنيا، وأن تجعلوا الحياة هامشا سمجا على متن الموت.

ما أتعسنا حقا لو تخلينا عن انفعالية اللغة وقصصنا أجنحة الكلمات، وكم ترين البلادة على أحاديثنا لو أننا توخينا الحياد العلمي في كل شيء، وبدلا من أن نقول مع الشاعر (الشريف الرضي):

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٣٩