empathy
فلا تعد أداة نافعة عند جمهور العلماء.
غير أن دراسة القردة العليا في بيئتها الخاصة قد غيرت المواقف تجاه الأنثروبومورفية، فقد غدا من المقبول على نطاق واسع أن المواجدة قد تلعب دورا مهما في البحث، يقول فرانس دي وال «لقد طالما اعتبر خطيئة علمية أن نسبغ عواطف إنسانية على الحيوانات، غير أننا إذ نفعل ذلك نغامر بفقدان شيء أساسي عن الحيوانات وعن البشر معا.»
8
وقد واكب ذلك بزوغ وعي متزايد بالقدرات اللغوية للقردة العليا، وتبين أنها صانعة للأدوات وأن لديها فردية وحضارة.
لعل الموقف الصائب هو موقف بين بين: فرغم أنه من الواضح أن للحيوانات انفعالات معينة، إلا أنه قد لا تكون انفعالات بشرية تماما، وقد يميل عشاق الحيوانات المنزلية المدللة إلى إضفاء صفات إنسانية على حيواناتهم، غير أن الطفل المحب لقطته قد يصدم حين يراها تقتل فرخ طائر صغير مدفوعة بالغريزة، ومسيرة بإشارات خاصة بها لا يدري عنها شيئا، وإذا كانت الأنسنة تسهل فهمنا للأشياء التي تبدو غريبة، فإنها إذا تجاوزت حدها فقد تفضي بنا إلى عمى إدراكي يعوقنا عن اتخاذ المنظور الصحيح للكائنات الأخرى. (5) في العلوم الطبيعية
الطبيعة تكره الفراغ.
الهواء يكره التزاحم، وعندما يضغط سيحاول الهرب إلى منطقة أقل ضغطا.
الجسم المتحرك، بسبب كتلته، يريد أن يبقى متحركا.
تريد الكرة أن تتدحرج إلى أسفل التل.
لا تستطيع مادة أن تشتعل في غياب الأكسجين؛ لأن الأكسجين يساعدها على الاشتعال.
قد يظن أستاذ العلوم الطبيعية أنه يساعد تلاميذه على فهم الظواهر الطبيعية باستخدام استعارات أنثروبومورفية من هذا القبيل، غير أنه في أغلب الأحيان لا يعدو أن يشوش فهمهم للسبب الذي يجعل العالم الطبيعي يسلك بالطريقة التي يسلك بها، ويرتد بهم إلى صوفية القرون الوسطى، ويحول بين أفهامهم وبين الاستبصارات الحديثة إزاء سلوك الطبيعة.
لست مضطرا حين تشرح سلوك العالم الطبيعي إلى أن تفسر «لماذا» يسلك هذا المسلك، وبحسبك أن «تصفه»، فإذا كان عليك أن تقدم تفسيرا فليكن تفسيرا علميا صحيحا لا مصادرة أنثروبومورفية لا دليل عليها مفادها أن «الطبيعة تحاكي سلوك الإنسان».
لقد أورثنا أسلافنا إرثا ذهنيا مغلوطا حين تصوروا العالم الطبيعي على شاكلة بيئتهم البشرية، ذلك التصور الذي أعانهم على البقاء واجتبته ضغوطهم الانتخابية الخاصة بزمنهم، إن حقيقة أن معظم عمليات الكون وظواهره تنجم عن قوى لا شخصية ذاتية التنظيم لا عن أفعال قصدية، هذه الحقيقة هي شيء لا يقع لنا على نحو طبيعي غرزي، لقد استغرق الأمر قرونا طويلة من التجريب الدقيق والعمل النظري الشاق لكي تسفر الحقيقة عن وجهها، على أننا حين نسلم فروضنا للنظام الصارم للعلم الطبيعي الحديث نحس باغتراب عن عملياتنا الفكرية الطبيعية ... وذلك عندما نكتشف كم هي متمركزة على الإنسان نظرتنا إلى العالم، وكم هي أنثروبومورفية هذه النظرة في حقيقة الأمر. «يبدو أن تخلص الفكر الإنساني من الأنثروبومورفية هو شيء بعيد الاحتمال جدا، في المستقبل المنظور على أقل تقدير، ولا نحن راغبون في ذلك، فمثل هذا التخلص قد يكون له آثار جانبية غير مرغوبة، ليس أقلها فقدان الإبداعية والخيال، والقدرة على استبانة دببة في الغاب، لقد أثبتت الأنثروبومورفية أنها موصولة ببقائنا كنوع بحيث غدت، ربما، جزءا من الكائن الإنساني يتعذر اقتلاعه، ومن ثم فقصارى ما نأمله عندما ندرك ونخلق أشكالا في السحاب هو أن ننمي القدرة على أن ننظر فيما وراء إدراكاتنا، أن نكتشف وجها، وأن نعترف بجماله، وأن نسلم بأنه لا وجود له.»
9 (6) متى تصح الأنثروبومورفية؟
لا بأس بالأنسنة عند تناول الإنسان.
هايك
في كتابه (المشترك) «النفس ودماغها» يقول كارل بوبر بمعرض حديثه عن تشبيه أفلاطون للعقل بربان سفينة الجسم: «هذه امتدادات قد ترفض على أنها ضروب من الأنثروبومورفيزم (الأنسنة)، ولكن لا بأس بأن يكون المرء أنثروبومورفيا في تناول الإنسان كما قد ذكرنا هايك.»