كان الفيلسوف جيامباتيستا فيكو
G. Vico
في كتابه «العلم الجديد» ينكر إمكانية تطبيق نماذج العلم الطبيعي على الطبيعة الإنسانية، ويعلن أن الدراسة العلمية للطبيعة الإنسانية لا بد لها أن تقوم على أساس صيغة إنسانية بحتة من التفاعل والتفاهم، يرى فيكو أن هناك هوة لا يمكن اجتيازها بين البشري والطبيعي، بين ما شيده البشر وما هو معطى في الطبيعة ... ويرى أن منتجات العمل البشري، كالفن والقانون والتاريخ نفسه، وبالضبط لأنها من صنع الإنسان، يمكن فهمها فهما أفضل من فهم العالم الطبيعي، حيث إن العالم الطبيعي هو عالم مغاير لنا بشكل لا حيلة فيه وغير قابل لأن نعرف حقيقته النهائية.
10
في كتابه «ضد التيار، مقالات في تاريخ الأفكار»، يلخص إيزايا برلين حجة فيكو في قوله: «إذا كانت الأنسنة هي أن نسبغ على عالم الجماد عقلا وإرادة دون وجه حق، فهناك عالم لعل من الصواب أن نضفي عليه هذه الصفات بالتحديد، هذا العالم هو عالم الإنسان، عليه يمكن القول إن أية محاولة لدراسة البشر على أنهم كيانات طبيعية صرف، شأنهم شأن الأنهار والنباتات والأحجار، هي عمل يقوم على خطأ أساسي، ونحن البشر نعد فيما يتعلق بأنفسنا ملاحظين نتمتع بامتياز خاص هو الرؤية من الداخل (الرؤية الباطنة)، ويعد تجاهل ذلك سعيا وراء مثال من العلم الموحد لكل ما هو موجود وطريقة عالمية مفردة للبحث، يعد إصرارا على الجهل وتعمدا له».
11
الفصل الخامس والثلاثون
| الأمن المنطقي
حديث صحفي مع طلبة السنة الرابعة بكلية الإعلام، جامعة القاهرة.
حول كتاب «المغالطات المنطقية»
بإشراف الطالبة/حنان إبراهيم •
هل من الممكن أن تتفشى مغالطة بعينها حسب المجتمع الذي يحيا فيه الفرد؟ - بكل تأكيد ... فإذا كان اللب أو الهيكل الصوري للحجج يندرج تحت «المنطق الصوري»، وهو شيء عالمي عمومي شأنه شأن الرياضيات، فإن الغلاف الكثيف الذي يطبق على هذا الهيكل النحيل هو شيء نسبي يختلف من مجتمع إلى آخر؛ لأنه ممتزج بلغة الناس وهمومهم وانفعالاتهم وانتماءاتهم وتحيزاتهم، بل بمناخهم وتضاريس واقعهم. •
هل الخلفية المرجعية أو أيدلوجية الشخص تلعب دورا في كثرة وقوعه في مغالطة بعينها أكثر من غيرها ... بمعنى، هل يتحد الماركسيون مثلا في الوقوع في مغالطة «س» بينما يتفق الإسلاميون في الوقوع في المغالطة ك؟ - نعم، إلى حد كبير، فأغلب الأيديولوجيات تنطوي على مصاعب منطقية لا تتسنى تسويتها (ظاهريا) إلا بشيء من المغالطة، هناك أيديولوجيات لا تسترد اتساقها (الظاهري) إلا بمغالطات من قبيل: التأييد دون التفنيد، التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، الأنالوجي الزائف أو التفكير التشبيهي، الاحتكام إلى سلطة ... إلخ، بل إن بعض الأيديولوجيات لا تعدو أن تكون مصادرة كبيرة على المطلوب: فهي تنطلق من مسلمات أولى لا دليل عليها تنسج منها وعليها نسيجا هائلا من التفكير الدائري وتحصيلات الحاصل! •
إلى أي مدى يساهم غياب التفكير النقدي في ظهور المغالطات المنطقية؟ وما أكثر المغالطات شيوعا نتيجة لذلك؟ - التفكير النقدي مرحلة متقدمة من النمو المعرفي، حيث يرتقي العقل النامي إلى الوعي بوجود افتراضات تحتية أساسية يقوم عليها بناؤه الفكري، وإخراج هذه الافتراضات إلى واضحة النهار، ووضعها تحت أضواء النقد، التفكير النقدي ليس شيئا سليقيا فطريا، بل يحتاج إلى تعلم وممارسة، في البدء كان الخطأ، في البدء كانت المغالطة، في البدء كانت التحيزات المتأصلة والأوهام الموروثة الغائرة، وحين يمارس المرء التفكير النقدي إنما يسبح ضد هذا التيار ويجتاز هذه «العوائق الطبيعية». في غياب التفكير النقدي تتدفق المغالطات تدفقا تلقائيا طبيعيا غير موقوفة وغير معترضة
unopposed ، ومن ثم فإن أكثر المغالطات شيوعا هي تلك المغالطات المبيتة في بنية الدماغ البشري نفسه: الأنالوجي الزائف، والتعميم المتسرع، والتشييء، والبروكروستية، ومن أكثر المغالطات شيوعا بصفة خاصة تلك الطرائق من التفكير التي خدمت الجنس البشري في مراحله الأولى، وأعانته على البقاء حين كان الرهان الإدراكي والتفسيري باهظا: مغالطة المنشأ، والأنسنة (تشبيه اللاإنساني بالإنساني)، والاحتكام إلى التقاليد. •