تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

N. R. Hanson

كل ذلك في تعبير واحد أصبح مصطلحا مأثورا ومفهوما محوريا في فلسفة العلم، هو أن الإدراك «محمل بالنظرية»

theory-laden ، ذلك أن خلفيتنا النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل في كيفية رؤيتنا له.

3

ويذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر إلى أن من المحال أن يتم فهم على الإطلاق بغير فروض مسبقة أو «تحيز»

prejudice

ما! فمحاولة الوصول إلى تأويل مبرأ من أي تحيز أو فهم مسبق هي محاولة عابثة؛ لأنها تمضي في الحقيقة ضد الطريقة التي يتم بها الفهم. إن ما يظهر من الشيء أو «الموضوع»

object

هو ما يسمح له المرء أن يظهر، وذاك أمر يتوقف على فروضه المسبقة ومنظومته اللغوية، ومن السذاجة أن نفترض أن ما هو «هناك حقا» هو أمر «واضح بذاته»، بل إن تعريف ما نفترض وضوحه الذاتي هو نفسه شيء يقوم على حشد غير مرئي من الفروض المسبقة، تلك الفروض الحاضرة العتيدة في كل بناء تأويلي يشيده المؤول الذي يظن نفسه «موضوعيا» وبريئا من الفروض المسبقة. لقد أماط هيدجر اللثام عن هذا الحشد من الفروض المسبقة القائمة والمندسة في كل تأويل ممكن، وذلك في تحليله لعملية الفهم.

4 (3) ستيوارت جوثري: «وجوه في الغمام»

في كتابه

Faces in the Clouds (وجوه في السحاب أو الغمام) يذهب جوثري

S. Guthrie

إلى أن ميلنا إلى أن نعثر على خصائص إنسانية في العالم غير الإنساني ينجم عن استراتيجية إدراكية غائرة: فبإزاء اللايقين الشامل بما نراه فنحن «نراهن» على التأويل الأوثق دلالة بالنسبة لنا: فإذا كنا في الغاب مثلا ولمحنا شبحا داكنا من بعيد قد يكون صخرة وقد يكون دبا، فمن الحصافة أن نظنه دبا: فإذا كنا على خطأ لم نخسر شيئا، وإذا كان على حق فقد ربحنا الكثير!

هكذا كلما تفرسنا العالم فنحن نفتش فيه عما يعنينا أكثر من غيره نفتش عن الأشياء الحية، وبخاصة الأشياء البشرية، وحتى الحيوانات تفتش عن الخصائص والأمارات البشرية، مثلما يتبدى عندما تتجنب الطيور الفزاعات (خيال المآتة)! وباختصار فنحن نتبع مبدأ السلامة، ذلك المبدأ الذي أعان الجنس البشري على البقاء حين كان الرهان الإدراكي باهظا.

هكذا يتحلى الإدراك الأنثروبومورفي بقيمة بقاء جعلت الضغوط التطورية تنتخب أولئك الذين اتبعوا مبدأ السلامة ورهنوا على الرؤية الأنثروبومورفية، وهكذا أورثنا أسلافنا هذه النزعة الطبيعية: أن نخطئ، إن أخطأنا، في جانب السلامة، وهكذا صار مبيتا في الدماغ البشري أن يتوسم وجود بشر آخرين، أو آثار بشر، في الظواهر الطبيعية.

5 (4) في الإيثولوجيا

6

في كتابه «علم البيولوجيا» يقول و. ت. كيتون: «إن كل ألفاظنا تقريبا تشتمل على نوع من الدلالة البشرية، ومن تضمين الدافعية البشرية والغرض البشري، غير أن هذه الدافعية والغرض قد لا تكون لها صلة بسلوك الحيوانات الأخرى، وعلينا دائما الاحتراز من إضفاء خصائص بشرية لا مسوغ لها على الأجناس الأخرى، فالتفكير الأنثروبومورفي والغائي لا مكان له في الدراسة العلمية لسلوك الحيوان ... واللغة الإنجليزية، شأنها شأن جميع اللغات الإنسانية، إذ تنشأت حول الأنشطة البشرية والتفسيرات البشرية، لم يكن لها بد من أن تعكس هذه الأنشطة والتفسيرات ... ومن ثم ينبغي أن يتفطن المرء إلى المزالق التي ينطوي عليها أي تطبيق للغة ذات التوجه البشري على أنشطة الحيوانات الأخرى.»

7

وقد جرى العرف في المجتمع العلمي على الانتقاص من اللغة الأنثروبومورفية التي تومئ إلى أن الحيوانات لديها مقاصد وعواطف، واعتبارها دليلا على افتقاد الموضوعية، وقد دأب علماء البيولوجيا على تجنب الفرضية القائلة بأن الحيوانات تشارك البشر نفس القدرات العقلية والاجتماعية والانفعالية، معولين بدلا من ذلك على الأدلة القابلة للملاحظة بشكل صارم، فالحيوانات كما يقول بافلوف «ينبغي أن تدرس دون حاجة إلى اللجوء إلى تأملات خيالية عن احتمال وجود أي حالات ذاتية.» والمنهج العلمي يتضمن ملاحظات وتعريفات وقياسات لموضوع البحث، أما «المواجدة»

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ١٠١