تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الفيلسوف اليوناني زينوفان

Xenophanes (ولد على الأرجح عام 565ق.م) أول من استخدم مصطلح الأنثروبومورفية، ليصف كيف كان الناس يتصورون آلهتهم شبيهة بهم في شكلهم ودوافعهم، فكانت الآلهة عند اليونان شقراء الشعر زرقاء الأعين، بينما كانت آلهة الأثيوبيين سمراء الجلد سوداء الأعين، وبعبارة أخرى فقد كانت الأوصاف الأنثروبومورفية تكشف عن واصفيها من البشر أكثر مما تكشف عن المقدس. صوب زينوفان سهام نقده إلى الأنثروبومورفية قائلا: «إن الإله الأعظم لا يشبه الإنسان لا في صورته ولا في عقله.» وشن هجوما عنيفا على الآلهة التقليدية، وكان هدفه الرئيسي استئصال مجموعة آلهة الأوليمب التي اتخذ كل منها صورة الإنسان.

2

وكان أفلاطون أيضا مناوئا للتمثيل البشري للآلهة، وفي محاورة «الجمهورية» بصفة خاصة يعترض على عملية إسباغ المثالب البشرية على كائنات إلهية. كان أفلاطون، شأنه شأن زينوفان، يرمي إلى تطهير العقيدة بتنقيتها من العناصر التي يعدها بدائية وفجة.

جاءت الديانات السماوية مناوئة بشدة للأنثروبومورفية، ومنزهة للرب عن أي شبه بالإنسان، صحيح أننا نصادف في الكتاب المقدس كثيرا من التعبيرات الأنثروبومورفية مثل «صورة الرب»، «يد الرب»، «ذراعه الممدودة»، «عيني الرب»، «مسند قدميه» ... إلا أن التأويل السائد هو أن التوراة تتحدث بلغة الناس، وأن الكتاب المقدس يستخدم مثل هذه الألفاظ لأنها اللغة الوحيدة التي يمكن للبشر أن يفهموها، غير أن عليهم ألا يأخذوها بمعناها الحرفي، إن هي إلا استعارات لوصف ما يستحيل وصفه على أي نحو آخر؛ لذا كان أحبار الحقبة التلمودية يلجئون إلى تعبيرات عديدة لتفادي الفهم الحرفي: تعبيرات مثل «إن جاز أن نقول ذلك»، وكان المترجمون يضيفون أحيانا كلمة أو كلمتين لدرء التشبيه: من ذلك أن الآية 8: 12 من سفر العدد «سأتحدث إليه فما لفم» ترد في النسخة اليونانية هكذا: «سأتحدث إليه فما لفم ظاهريا.» (2) الأنسنة استراتيجية إدراكية

إن المبدأ عين نرى بها.

إمرسون

الحقيقة أن إسناد فاعلية بشرية للأشياء والظواهر هو استراتيجية تفسيرية عظيمة الفاعلية رغم فشلها في بعض الأحيان، فنحن بعد كل شيء نعيش في بيئة يشكل البشر جانبها الأهم والأكثر تواترا وأشد تأثيرا؛ ومن ثم فلا مفر لنا من أخذ كل ما هو بشري في الاعتبار الأول، ولا مفر لنا في حالة عدم وضوح الرؤية من الرهان على التفسير الأنثروبومورفي، إن بناءاتنا التصورية والإدراكية لتميل بنا غرزيا إلى النزعة الإحيائية

animism

والنزعة الأنثروبومورفية، كما أن توصيل الحقيقة إلى البشر لا يتسنى له أن يتم إلا عبر وسيط من الأفكار البشرية، ولا يمكن التعبير عنه إلا بلغة ملائمة لفهم البشر.

إن مقولات الفهم ومخططات الإدراك المبيتة في أدمغتنا قد شيدتها تجارب بشرية ولغات بشرية ومواضعات بشرية، ولا مندوحة لنا عن استخدام هذه المقولات

categories

وتلك المخططات

schemata

إن كان لنا أن نحظى بأي إدراك أو فهم على الإطلاق.

إن العالم يتراءى أمام أعيننا في تدفق كاليدوسكوبي مضطرب، ونحن نحدس أو نخمن بما نراه وفقا للنموذج القائم في أدمغتنا عن العالم، والذي شيدته أدمغتنا خلال تخمينات سابقة وما آلت إليه تلك التخمينات، في سلسلة لا نهاية لها من المحاولة والخطأ، وبعبارة أخرى فإن ما نراه يتوقف على النموذج الذي نستخدمه، وإن النموذج الذي نستخدمه إنما شيدته تجاربنا السابقة في الرؤية. يلخص توماس كون هذه الفكرة بقوله في كتابه «بنية الثورات العلمية»: «شيء يشبه البارادايم

paradigm (النموذج الشارح) هو متطلب أساسي حتى في الإدراك نفسه، إن ما يراه المرء يعتمد على ما ينظر إليه لتوه، بالإضافة إلى خبرته البصرية السابقة وما علمته أن يرى.» ويقول فييرابند: «حين نعطى مثيرات ملائمة ولكن مع أنساق مختلفة من التصنيف (تهيؤ ذهني مختلف) فإن جهازنا الإدراكي ينتج موضوعات إدراكية لا تمكن المقارنة بينها بسهولة.» ويقول الأنثروبولوجي جون بيتي: «إنما يرى الناس ما يتوقعون أن يروه، ذلك أن تصنيفات إدراكهم تحددها إلى حد كبير، إن لم يكن كليا، خلفيتهم الاجتماعية والثقافية.» ويلخص فيلسوف العلم نوروود رسل هانسون

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ١٠٠