32 (8) لغة تحتضن منهجا
يقول د. عثمان أمين في كتابه «فلسفة اللغة العربية»: «فقد أظهرتنا بحوث الأستاذ لوي ماسينيون على أن اللغة العربية قد امتازت بخصائص قل أن نجد لها مثيلا في اللغات الأخرى؛ ففي حين أن اللغات الهندوأوروبية إنما جعلت للتعبير عن نظام العالم الخارجي، نجد اللغة العربية وكأنها هي لغة التأمل الداخلي؛ تأمل الفكر والروح. العربية «تملك ديالكتيك المعجزة» التي ترنو إلى الأبدي، وتصرف النظر عن المتغير وعن كل ما هو زائل، إن في العربية استعدادا للرؤية الجوانية يتذوقه من نشئوا على التحدث بها، وفي العربية، بفضل تركيبها الداخلي وطراز الخلوة التي توحي به، قدرة خاصة على التجريد والنزوع إلى الكلية والشمول، ومن هنا كان للعرب الفضل في استكشاف رموز الجبر وصيغ الكيمياء والمسلسلات الحسابية. ويذكر ماسينيون أن «واحدا من الأوروبيين المساكين» قال له مرة في معرض الزراية على العرب: «ليس لهؤلاء الناس أدب» فأجابه: «لم نقل في ثلاثمائة جملة ما يمكن أن يقال في سطر واحد؟»، يقول ماسينيون: «إن الشعوبية المتزمتة، شعوبية دولة إسرائيل الجديدة، لا تؤمن بشيء قدر إيمانها بلغتها العبرية، وإن مدارسها الأولية تعلم العبرية وفقا للإعراب العبري التقليدي المنقول عن اللغة العربية، ووفقا للأبجدية القديمة. اللغة العربية لغة وعي، ولغة شهادة، وينبغي إنقاذها سليمة بأي ثمن، للتأثير في اللغة الدولية المستقبلية، واللغة العربية بوجه خاص هي شهادة دولية يرجع تاريخها إلى ثلاثة عشر قرنا.»
33
ويقول المستشرق الفرنسي هنري لوسل في مقال له بعنوان «اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية تزودان الدارس لهما بنظرة جديدة إلى العالم»: «... يجد الطالب في العربية معاني لغوية تختلف اختلافا كبيرا عن معاني الفرنسية أو اللاتينية أو أي لغة أوروبية ... ويستوقف نظره في الوقت نفسه سير الكتابة العربية من اليمين إلى الشمال، ولكن هذا السير يبدو مطابقا لحركة فزيولوجية أكثر اتفاقا مع الطبيعة. ثم إذا به يكتشف كلمات ذات أصول ملحنة واضحة ونسقا صرفيا مبتكرا داخل الكلمة يستبعد كل إضافة خارجية من المقاطع لأوائل الكلمات أو أواخرها، ويتيح ثروة من الاشتقاق من الأصل الواحد، وتقدم العربية أيضا نسقا من قواعد الإعراب بسيطا وفيه قدر كبير من المرونة، كما تقدم أساليب من تركيب الكلام تجمع بين البساطة والدقة، ونسقا من الأفعال يتسم بالبساطة، ويحير الناظر أول الأمر ولكنه مع ذلك قد بلغ من التمام في منطقه ما بلغه النسق الفرنسي، ومع العربية ينفتح أمام نظر التلميذ عالم جديد يخالف العوالم التقليدية المأثورة. لقد ذهب التعليم الفرنسي إلى البلاد العربية، ولكنه عجز عن أن يفيد منها لنفسه نظرة جديدة عن الإنسان يعود بها إلى فرنسا. إن دراسة القرآن، ولو كانت دراسة سطحية، تكشف للتلاميذ شيئا فشيئا تصورا جديدا للعالم.»
34
وللأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي خواطر وتساؤلات طليعية جريئة بشأن العربية والمنهج العلمي الذي تضمره في داخلها، وعلينا نحن أن نستكشفه ونفيد منه، يتساءل د. الرخاوي: «هل يتغير المنهج العلمي بتغير اللغة أم أن المسألة هي مجرد تغيير ألفاظ؟» ولا يفوته أن يشير بسهم إلى إجابة: «... ولعل اللغة العربية بثباتها كل هذه القرون هي التي حافظت على علاقتنا بالطبيعة، ولعلها توحي لنا مؤخرا - إذ نحاول الإفاقة - أن للحياة هدفا آخر، وأن الإنسان ليس إلها وأن المنهج القائم الغالب والمحتكر لما يسمى علما لا يفي بسبر غور الحقيقة كل الحقيقة، أو أغلبها، وأن لنا علاقة متصلة بالطبيعة غير الاقتحام والسيطرة والاستنزاف ... إن الانطلاق من لغتنا العربية، تركيبا له بنيته الخاصة، وليس ترجمة عاجزة عن الحركة المستقلة، لهو من العوامل الأساسية التي قد تتيح لنا الفرصة لاختبار منهج آخر أكثر قدرة على سبر غور الحقيقة والإلمام بأبعاد المعرفة، وليس هنا مجال لتفصيل أكثر، وإنما أكتفي بمجرد الإشارة إلى ما سبق أن أشرت إليه من أفول نجم هذا المنهج التجريبي المعتمد على الرصد السلوكي كأساس يكاد يحتكر ما يسمى موضوعية المعرفة؛ الأمر الذي يتواكب مع مناهج وطريقة تفكير تصبغ الطبيعة الحديثة والرياضة الحديثة، وتفتح الأفق إلى مناهج ومنطق أكثر قدرة وكلية وإحاطة وتداخلا، وكلها مناهج أقرب إلى بنية اللغة العربية القادرة منها إلى التنظيم الخطي المنفصل بعضه عن بعض في لغات أخرى مسطحة بشكل أو بآخر. لو تبينا أننا نتميز عن غيرنا، ليس بالضرورة تفوقا فقط، مجرد تميز، وأن هذا يسمح لنا بالحركة في مساحة أخرى، من منطلق آخر، وأن هذا وذاك يتيح لنا فرصة اقتحام مجاهل المعرفة بشكل آخر في مسار آخر، وأن كل هذا يعني أن لنا توجها آخر؛ لو حدث كل هذا فإنه يحتاج إلى أن نفعله من خلال بنيتنا العربية المتدينة الغائرة التي بعض صورها النطق بهذا اللسان العربي. فالعقل العربي لا يستعيد استقلاله وحريته باستعادة النطق بلسانه، وإنما تتاح له الفرصة من خلال استعمال لغته - تركيبا غائرا - بما يتيح تجديدها، ثم هو يستعيد أو لا يستعيد - بحسب مسئوليته وإسهامه - دوره، فريادته على طريق المعرفة/الحضارة/التطور، فإذا فعل عادت لغته إلى الحياة ثم تطورت بدورها فأعطت وتحاورت، وإذا لم يفعل فهو الخاسر نفسه ولغته وعطاء غيره في آن، ولا يبقى له إلا أن يتبع ويطيع (ويسمع الكلام)!»