تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

الفصل العاشر

| ضرورة الإصلاح

نحن بين اثنتين: إما أن نيسر علوم اللغة العربية لتحيا، وإما أن نحتفظ بها كما هي لتموت.

طه حسين

مستقبل الثقافة في مصر

في كتابه الذي صدر عام 1954 يقول الأستاذ سعيد عقل: «معضلة اللغة عرضت وستعرض لكل الشعوب المتمدنة؛ لأن اللغة بطبيعتها تخلق لنفسها هذه المعضلة كل نحو من ألف عام، أما مبدأ الحل فقد استخرج من الحياة: اللغة هي ما في الفم لا ما في الكتاب، ولو أن رقعة العالم الغربي، على سعتها، من اسكتلندا إلى صقلية، مضافا إليها رومانيا، بقيت مسايرة عاطفية الشعب وما تتوهمه من وحدة لغوية تربط بين أجزائه، لما كانت إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا اليوم زعيمات العقل الغربي، ولما أطلعن عباقرة الشعر والفلسفة.»

1 ... «معضلتان (اللغة والتدوين) على حلهما في الشرق يتوقف إيجاد اللغة التي هي حق كل المؤسسات، وما بقي الحق خربا فعبثا نفكر باقتناء العطور، لا نهضة لنا في الشرق ما لم نحل معضلتي اللغة والتدوين.»

2

وإذا كنا لا نتفق مع الأستاذ سعيد عقل في الحل الذي خلص إليه، فنحن نذكر له التفاته المبكر للمشكلة وإدراكه العميق لخطرها.

موت اللغات هو ألا تعود تستعمل.

وما تعانيه العربية اليوم ليس محلا للجدل بل للملاحظة.

ما تعانيه العربية اليوم أشبه بالموت السريري: لكأنها ماتت ونحن نتكتم الخبر ونحفظ حياتها اصطناعيا بمضخات التنفس والتقطير الوريدي.

وما أوصلنا لهذه الحال سوى سلف أغلق باب الاجتهاد، وخلف لج في التزمت، ومجمع تردد في العلاج، وأساتذة ترددوا في التعريب، ومرفق تعليمي باع التعليم وأكل من خبز الهيكل، وشعراء اغتربوا وأغربوا وآثروا أن يكتبوا لأنفسهم لا للناس، وعقل عربي عقم عن الإبداع وهو مشطور بين فصحى لا يجيدها وعامية لا تجيده! (1) تشبيه دورة الحياة

هذا جاثوم ما قصصته إلا لكي أنذر بحجم الخطر الذي يتهددنا، وحرج الموقف الذي نعيشه؛ فاللغة وسيط التفكير والحس والشعور والإبداع، وموت اللغة يعني موت هذه الأشياء جميعا. على أن الأمر لا يعدو أن يكون «تشبيها» أو «مماثلة» (أنالوجي): فالحق أن اللغة «تشبه» الكائن الحي ولكنها ليست كائنا حيا، وقد سبق لفلاسفة التاريخ أن شبهوا الحضارات بالكائن الحي وأخذوا ب «مماثلة دورة الحياة»

Life Cycle Analogy ، فارتكبوا مغالطة، وبلغ الغلو بالبعض أن يمتد بالتشبيه إلى تبرير الاستعمار!

3

وفاته أن الشبه غير الهوية، وأن التشبيه وسيلة إيضاح لا برهان، وأن التشبيه قد ينطبق في جوانب ولا ينطبق في أخرى؛ وعليه فإذا كانت اللغة مثل الكائن الحي تنشأ وتنمو وتشيخ وتموت، فإنها بعكس الكائن الحي قد تحتفظ بالحياة بل قد تعاد إلى الحياة إذا شاء أهلها ذلك: فقد اختار اليابانيون الاحتفاظ بلغتهم في أحلك الظروف كأداة للعلم وعنوان للهوية، وقد بعث جيراننا الألداء العبرية من مرقدها لتكون لغة حياة وأدب وعلم، وإن مهمتنا تجاه العربية لأيسر بكثير من مهمتهم التي بدأوها وأكملوها! وإن لدينا من الدواعي القومية والروحية مثل ما لديهم وزيادة. (2) بين الحتمية الاجتماعية والمذهب العملي

تخضع اللغة في سيرها، كما يقول د. علي عبد الواحد وافي، لقوانين مطردة ثابتة، لا يد لأحد على وقف عملها أو تغيير ما تؤدي إليه ، ولا نقصد بذلك أن نقرر مبدأ الجبرية المطلقة في حياة اللغة، ولا أن ننكر إمكان التدخل في شئونها، ولكننا نقصد بذلك أن نبين أن كل تدخل يتنافر مع القوانين الطبيعية التي تسير عليها اللغة في حياتها لن يغير شيئا مما تقضي به هذه القوانين، وأن التدخل المنتج هو الذي يساير هذه القوانين، ويهيئ الظروف المواتية لتحققها في الناحية المقصودة.»

4 «فما ذهب إليه فرنسيس بيكون بصدد التدخل في الظواهر الطبيعية إذ يقرر أنها «لا تمكن السيطرة على ظواهر الطبيعة إلا بطاعتها ومسايرتها» يصدق كذلك على ظواهر اللغة وما إليها من الظواهر الاجتماعية الأخرى.»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٠٠