تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

وباختصار، ليس ثمة غير خبر، أو انتظار لخبر.

أما د. حسن حنفي فيرى أن «فعل الكينونة ليس مجرد فعل، بل هو الوجود المتضمن فيه، يظهر في اللغات الأجنبية ولا يظهر في اللغة العربية لأن الوجود متضمن في الكلام ولا يحتاج إلى إثبات كما لاحظ الفارابي من قبل في كتاب الحروف.»

29

وأما د. عثمان أمين فيقف وقفة طويلة عند غياب فعل الكينونة في العربية، ويستكشف فيه فلسفة بتمامها! يرى د. عثمان أمين أن لغتنا العربية في طبيعة بنيتها وتركيبها لا تحتاج الجملة الخبرية فيها إلى إثبات فعل الكينونة، فنحن نقول في العربية، على سبيل الإخبار: «فلان شجاع» دون حاجة إلى أن نقول: «فلان يكون شجاعا»، ونقول: «كل إنسان فان» دون حاجة إلى أن نقول: «كل إنسان يكون فانيا». وإذا قلنا في العربية مثلا: إن «الأمة العربية واحدة» ثبت هذا المعنى في نفوسنا ثبوتا لا يحتاج بعده إلى شيء من الخارج، لا فعل الكينونة ولا أي رمز آخر من رموز اللغة أو أي أمر من أمور الحس. والفكرة المفهومة من الارتباط واضحة ماثلة دائما في نفس العربي، يلتفت إليها حين يواجه المعنى، فإذا أراد أن يبرزها أو أن يؤكدها مثلها بلفظ مثل قوله: «إنه هو الحق»، ومعنى هذا أن الإسناد في اللغة العربية يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين «موضوع» و«محمول» أو مسند إليه ومسند، دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة نطقا أو كتابة، في حين أن هذا الإسناد الذهني لا يكفي في اللغات الهندوأوروبية إلا بوجود لفظ صريح مسموع أو مقروء، يشير إلى هذه العلاقة في كل مرة، وهو فعل الكينونة في اصطلاحهم، ويسمونه في تلك اللغات «رابطة»

Copula

من شأنها أن تربط بين الموضوع والمحمول إثباتا أو نفيا، وقد التفت بعض المناطقة الغربيين في العصور الحديثة إلى تكلف هذه «الرابطة» اللفظية في أكثر اللغات الهندوأوروبية: فقد بين جون ستيوارت مل في كتابه «نسق في المنطق» أننا لا نحتاج في الحقيقة إلى شيء سوى «الموضوع» و«المحمول»، وأن «الرابطة» إنما هي مجرد علامة على ارتباطهما من حيث هما موضوع ومحمول.

30

يرى د. عثمان أمين أن غياب فعل الكينونة ميزة فلسفية امتازت بها لغتنا على غيرها من اللغات: فالعربية ترى من نافلة القول أن نضطر إلى إثبات فعل الكينونة في كل قضية كيما نصدق بها، بل أكثر من هذا، أن العربية تفترض «أولانيا»

31

وابتداء أن مجرد إخطار المعنى في الذهن، ومجرد «ثبوت الإنية» - كما يقول الفارابي وابن سينا - أو وجود الذات العارفة التي تقرر المعنى، كاف وحده لإثبات هذا المعنى، وبعبارة أخرى إن العربية تفترض دائما أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس أو، بتعبير فلسفي شائع لدى فلاسفة العرب ومتكلميهم، أن العربية بطبيعة بنيتها وصياغتها تقرر أن «الماهية متقدمة على الوجود» (تقدم رتبة وحيثية لا تقدم زمان أو وضع في المكان).

ويعلم كل دراس للفلسفة الديكارتية أن فعل الكينونة هذا قد أحدث خلطا في فهم الكثيرين للكوجيتو الديكارتي، وأدى إلى ارتباك ذهني كبير في الغرب في مستهل الفلسفة الحديثة. مثل هذا الخلط لا يمكن أن يقع في اللغة العربية لأنها استغنت أولانيا عن فعل الكينونة، ولم تسلم بأن له وظيفة منطقية، فضلا عن عدم التسليم بأنه «فعل» من الأفعال اللغوية. «إن «الكينونة»، تبعا لمنطق اللغة العربية، هي في الوجود الذهني، والوجود الذهني متضمن في كل قضية صادقة كانت أو كاذبة، ومن أجل ذلك وجدت اللغة العربية من نافلة القول أن تؤكد هذا الوجود بفعل الكينونة (الذي ليس في الحقيقة فعلا): فهذه اللغة ترى أن كل ما يعرض للذهن، كل فكر، «كائن»، وهذا يصير بديهيا لمجرد كونه مفكرا فيه. وها هنا مزية الذهن على المادة. إن الفلسفة الديكارتية التي تبدأ بالكوجيتو، ومنه تستخلص التمييز الحاسم بين النفس والبدن، تسير سيرا مطردا في الطريق الذي رسمته فلسفة اللغة العربية، وإن شئنا قلنا: إن اللغة العربية «مثالية» قبل مثالية ديكارت بمئات السنين، والفلسفة الديكارتية تجد ولا ريب سندا لها راسخا في مطالب اللغة العربية التي تفترض الوجود في الأذهان تحت كل فعل من أفعال العقل، وهي بهذا تقيم صدارة الفكر على كل ما عداه.»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٩٨