تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي فن الشعر بخاصة تتجلى أهمية حركات الإعراب، «فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية وتستقر في مواضعها المقدورة على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع، ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير في كل وزن من أوزان البحور؛ لأن علامات الإعراب تدل على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة، فلا يصعب على الشاعر أن يتصرف بها دون أن يتغير معناها، إذ كان هذا المعنى موقوفا على حركتها المستقلة الملازمة لها، وليس هو بالموقوف على رص الكلمات كما ترص الجمادات.»

21

قلنا: إن حركات الإعراب تدل على المعاني دلالة تسمح بالتقديم والتأخير ووضع الكلمة في الموضع الذي يناسب مبنى البيت ولا يخل بمعناه، انظر هذا البيت للمتنبي:

أتى الزمان بنوه في شبيبته

فسرهم وأتيناه على الهرم

وانظر هذا البيت:

سوى وجع الحساد داو فإنه

إذا حل في قلب فليس يحول

وهذا:

قمرا نرى وسحابتين بموضع

من وجهه ويمينه وشماله

مثل هذه الطواعية وهذه الحرية لا تتاح للغة غير معربة، ومثل هذا النسق لا يستقيم لشاعر ينظم بغير العربية؛ «لأن الترتيب الآلي يقيده بموضع لا يتعداه، حيث يطلقه الإعراب «العربي» المعدود في عرف أعدائه الجهلاء قيدا من القيود!»

22

لا شك أن الإعراب يمثل صعوبة معينة، ولولا ذلك لما قال عبد الملك بن مروان: «شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن»، ولكن لا يماري أحد في أن لغة الإعراب تهيب بالقارئ أن يستجمع قواه الفكرية، وتدعوه إلى حسن التأهب لقطع أشواط الفهم. إن المران على صحة الإعراب هو في الوقت نفسه مران على يقظة الوعي وجودة الفهم، فالعربية بحكم تركيبها وبنائها تتطلب من المرء يقظة واعية وجهدا موصولا وبعدا عن الآلية، ومتى تعود المرء بذل الجهد لاستجماع الفكر قبل أن يقرأ أو يكتب أو يسمع نشأ لديه استعداد للفهم يلازمه طول حياته، وكان في أحكامه أقرب إلى الروية والتدبر وأبعد عن التهور والتحيز،

23

وهذه فضائل مستفادة أثمن بكثير مما بذل فيها وأنفق من أجلها. (6) العروض

العربية لغة عروضية: «فالتركيب الموسيقي أصل من أصول هذه اللغة لا ينفصل عن تقسيم مخارجها، ولا عن تقسيم أبواب الكلمات فيها، ولا عن دلالة الحركات على معانيها ومبانيها بالإعراب أو بالاشتقاق.»

24

وهذا ما يسر النظم لأصحاب السليقة الشعرية من العرب منذ أقدم عصور الجاهلية. كان الشاعر الجاهلي ينظم الشعر في مختلف بحوره بغير علم بهذه البحور، ثم جاء الخليل بن أحمد فاستخلص الوزن الموسيقي الكامن في هذا الشعر، وقعد له قواعده وأحصى بحوره، فإذا نحن بإزاء موازين دقيقة دقة رياضية، لا تقل عن دقة الموسيقى الخالصة ومقاماتها وإيقاعاتها وسلمها، «لا حاجة بالشعر العربي إلى إيقاع الرقص الذي يصاحب إنشاد الشعر في اللغات الأخرى؛ لأن أشعار تلك اللغات تستعير الحركة المنتظمة من دقات الأقدام وحركات الأجسام في حلقات الرقص أو اللعب المنسق على حسب خطوات الإقبال والإدبار والدوران، ولا حاجة بالشعر العربي إلى ملازمة الإيقاع المستعار من الرقص واللعب؛ لأن أوزانه مستقلة بإيقاعها الذي يميز أقسامها وحدودها ويغنيها عن الأقسام والحدود الأخرى، ولا حاجة بالشعر العربي إلى مصاحبة الغناء لترتيب أوقاته (أزمنته) وضبط مواقع المد والسكون في كلماته؛ لأنه مرتب مضبوط في كل كلمة، بل في كل جزء من أجزاء الكلمة، ويجمع بين الحركة والسكون، وما من وزن على وضع من الأوضاع لا تضبطه حركة الشعر المسموع بغير حاجة إلى الغناء.»

25

وأبلغ من كل ما تقدم في الإبانة عن معدن اللغة العربية وعن هذه الخاصة الفنية فيها أن أوزانها تتفق في كل ترتيل فصيح، ولو لم يكن شعرا مقصودا، كما اتفقت في الآيات الكثيرة من القرآن الكريم، رغم أن القرآن ليس شعرا وما هو بقول شاعر:

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٩٦