تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

وصيغة المجهول في العربية أوسع منها في اللغات الأخرى، وتنفرد العربية باستعداد لإثبات الفاعل على حسب درجاته من الأثر أو درجات العلم به عند السامع: فبالإضافة إلى صيغة المبني للمعلوم والمبني للمجهول تزيد العربية بصيغة لا وجود لها في اللغات الأخرى، هي صيغة الفعل المطاوع، «فيقول القائل (انفتح الباب)، ويعبر بذلك عن معنى لا تدل عليه دلالته الدقيقة كل من صيغة المبني للمعلوم وصيغة المبني للمجهول، ويظهر الفارق في الدلالة على المعاني المختلفة في استخدام الفعل في الجمل المفيدة على حسب دلالتها: فإذا قلنا: «فتح محمد الباب» فهذا لمن يهمه أن يعرف من الذي فتح الباب، وإذا قلنا: «فتح الباب» فقد يكون الخبر موجها أيضا إلى سامع يهمه أن يعلم شيئا عن الفاعل، ولكن المتكلم يخبره بأنه لا يعرفه أو يخبره بأنه يعرفه ولا يريد أن يذكره. ولكن هناك حالة غير هذه وتلك، وهي حالة إنسان ينتظر فتح الباب ولا يعنيه من الذي فتحه كما لا يعنيه أن يقول له المتكلم إنه يجهله أو يسكت عنه، في هذه الحالة يقول العربي: «انفتح الباب» فيؤدي المعنى المطلوب بغير خلط بينه وبين الحالات التي ينتظر السامعون فيها خبرا عن فاعل الفتح، معلوما كان أو مجهولا أو مسكوتا عنه مع علم السامع به تعمدا لإخفائه أو لإهماله. واللغة الدقيقة التي استوفت وجوه الدلالة هي اللغة التي تلاحظ مقتضى الحال في كل عبارة من العبارات الثلاث، ولا تستخدم عبارة واحدة لموضعين ملتبسين، بل تستخدم كل عبارة لموضعها الذي لا لبس فيه.»

17 «على أن درجة الفاعلية في الاسم تثبت في اللغة العربية باستخدام صيغ أخرى تتمم هذه الصيغة من صيغ البناء للمعلوم أو البناء للمجهول أو فعل المطاوعة، فهناك صيغة المبالغة من مادة الفعل نفسه بغير حاجة إلى مادة مستعارة من غيرها، ففي اللغة العربية صيغ للمبالغة تعطينا من مادة الفتح كلمة «فتاح» بمعنى الكثير الفتح والمقتدر على الفتح على السواء، ولا مقابل لهذه الصيغة في اللغات الهندية الجرمانية إلا باستخدام جملة أو عبارة مركبة من عدة كلمات. وفي اللغة العربية صيغة من صيغ المبالغة تحكي الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ لأنها تدل على حالة ملازمة بغير اعتبار للحدث والزمان ... مثال ذلك أننا نقول: «كريم»، ولا نقول: «كارم»؛ لأننا نريد التعبير عن صفة ملازمة وعن خلق ثابت لا يتوقف على حدث في زمن محدود ...»

18

تلك مزايا تستحق التنبيه إليها «في زمان يكثر فيه من يتحدثون من العرب أنفسهم عن اللغات التي تصلح أو لا تصلح للتعبير السليم أو الفصيح في أبواب العلوم والآداب.»

19

يقول د. عبد السلام المسدي: «لأول مرة في تاريخ البشرية - على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به - يكتب للسان طبيعي أن يعمر حوالي سبعة عشر قرنا محتفظا بمنظومته الصوتية والصرفية والنحوية، فيطوعها جميعا ليواكب التطور الحتمي في الدلالات دون أن يتزعزع النظام الثلاثي من داخله، بينما يشهد العلم في اللسانيات التاريخية والمقارنة أن الأربعة قرون كانت فيما مضى هي الحد الأقصى الذي يبدأ بعده التغير التدريجي لمكونات المنظومة اللغوية.»

20 (5) الإعراب

الإعراب مطلب العقل في اللغة.

د. عثمان أمين

العربية لغة إفصاح وإبانة، والإعراب، أي تغير نهايات الكلمة وفقا للمعنى المقصود، من آلياتها الرئيسة لتحقيق الدقة في الدلالة والوضوح في المعنى.

روي أن رجلا دخل على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فقال من غير إعراب: «قتل الناس عثمان»، فقال له أمير المؤمنين: «بين الفاعل من المفعول رض الله فاك». وروي أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته وهي تتأمل السماء: «ما أجمل السماء»، فقال لها: «نجومها»، فقالت: «ما عن هذا أسأل، وإنما أنا أتعجب» فقال: «إذن فقولي: ما أجمل السماء»، وسواء أصحت هذه الروايات أم كانت من خيال واضعيها، فإنها تكشف عن الوظيفة الدلالية للإعراب. الإعراب ضروري للإفادة والإبانة وتماسك المعنى، والإعراب ضروري للكتابة البليغة والشعر الرفيع؛ لأنه يتيح للكاتب التقديم والتأخير وهو بمأمن من اللبس والغموض، فيكون حرا في الارتكاز على ما يشاء من عناصر الجملة، ويقدم الأهم على المهم، ويحقق في السبك قيما تشكيلية وموسيقية ما كانت تتأتى لولا الإعراب الذي يضم حبات الجملة في سمط واحد ويضمن لها ألا تنفرط مهما اختلف ترتيبها وتتابعها. واللغات التي تتنازل عن الإعراب (مثل العامية، ومثل اللغات الأوروبية الحديثة بعامة) تضطر إلى تقييد الترتيب في عناصر الجملة لكي يؤدي وظيفة الإعراب. مثل هذه اللغات أسهل من لغة الإعراب بما لا يقاس، غير أنها تشتري السهولة بثمن باهظ: بالغل والقيد وتصلب الفقرات، والثقلة الموسيقية والدلالية والبيانية.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٩٥