26
لقد آن لنا أن نفرق بين ما هو عبث وتحلل لغوي و«لحن»، وما هو ارتقاء وإبداع وحيوية ... أن نقاوم العبث والتحلل ونشجع الابتكار والتجديد، ونواكب كل ذلك بالتنظير اللغوي الحصيف، وإلى جانب تيار «لحن العوام» و«قل ولا تقل» نشجع أيضا تيار «صواب العامة» و«رفع الإصر» و«بحر العوام»،
27
فلا نتحرج من اعتماد الألفاظ المولدة واستلهام العامية واسترفادها والإفادة مما صح منها وفصح وساغ، وأن ننزل هذا العامي الفصيح في معاجم رسمية مصدقة معتمدة،
28
وندرجه في مناهج اللغة بالمدارس؛ حتى يحس أبناؤنا أنهم لا يتعلمون لغة أجنبية بل لغة حياتهم المألوفة لهم الرفيقة بهم، وتزول تلك الجفوة العتيدة بين الدرس والدارس، ويصير التعلم جهدا ممتعا ولا يعود كابوسا ثقيلا وعذابا نكرا، هنالك تكون هذه العامية المزدراة هي حبل نجاة الفصحى ومجددة دمائها وباعثتها إلى الحياة من جديد!
الفصل الثامن
| تعريب العلم
تعليم الأمة بلغتها ينقل العلم بكليته إليها، أما تعليمها إياه بلغة غيرها فإنه ينقل أفرادا منها إلى العلم.
الشيخ علي يوسف
تعليم المرء بغير لغته أمر شاذ بالغ الشذوذ، ومضاد لطبيعة الأشياء، ومضاد للبيولوجيا، ولا تلجأ إليه الأمم إلا اضطراريا، ومرحليا. ليس في العالم، شرقه وغربه، أمة تعلم العلم بغير لغتها القومية، باستثناء شعوب بدائية اللغة كالغجر والإسكيمو والأفريقيين، وشعوب متعددة اللغات كالهنود. جميع دول العالم على اختلاف حجمها، وتعدادها، وعائلتها اللغوية، ودرجة تقدمها، تعلم العلم بلغتها: ألبانيا، تركيا، بلغاريا، هولندا، فنلندا، اليونان، إيطاليا، روسيا، الصين، كوريا، اليابان، إيران، إسرائيل ... «يروي د. إسحاق الفرحان عضو مجمع اللغة العربية الأردني أنه كان بصحبة وزير التربية الأردني يحضران حفلا للسفارة الكورية في عمان، فسأل وزير التربية السفير الكوري: بأي لغة تدرسون الطب والهندسة والعلوم في بلادكم؟ فلم يجبه السفير، ولما كررت عليه أنا السؤال نظر إلي السفير قائلا: وهل هذا سؤال يسأل؟ بالكورية طبعا!»
1
لم يفهم الرجل السؤال أول مرة، وظن أن في الأمر «لعبة»؛ فالسؤال غريب عنده غرابة التعريب عندنا! لقد نشأنا نرى العلم يدرس عندنا بالإنجليزية فحسبنا ذلك أمرا طبيعيا، وما هو بالطبيعي، وإنما «أعمانا الإلف فلم نعد نرى في الغريب غرابته» باستعارة تعبير د. زكي نجيب محمود (في مقام آخر)، و«اكتسب المؤقت والاستثنائي (عندنا) ديمومة بل شرعية» باستعارة تعبير د. مفيد أبو مراد. يبدو أن في جبلة العقل البشري، بوصفه رهين الثقافة وصنيعتها، أن يعبر «فجوة هيوم» وثبا؛ فيقفز مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، ويميل إلى أن يرى أوضاعه التي نشأ عليها، مهما بلغت من سوء وشذوذ، لا كمجرد أوضاع معطاة «للوصف» و«النقد» و«التغيير»، بل كمقاييس للصواب والسواء والخير و«معايير» للقيمة. هذا ما جعل أستاذا في الطب مثل د. نادر عبد الدايم يصف دعوة تعريب الطب ب «النكبة» و«الكارثة»، وكأن تسمية «الهارت» ب «القلب» ستصيبه بأزمة، أو أن تسمية «الأبدومن» ب «البطن» ستحول دون فتحه!
الحق أن ما نحن فيه هو النكبة، وليتها نكبة واحدة أو ذات بعد واحد، ولكنها نكبة تساقط نكبات، نكبة مركبة مطبقة ذات أبعاد أربعة، ذلك أن التعريب
2 (التعريب بحد ذاته) ضرورة قومية، وضرورة علمية، وضرورة نفسية/اجتماعية، وضرورة لغوية! (1) التعريب ضرورة قومية
لغة الأمة هي وعيها وضميرها، وكبرياؤها وعرضها، والأمة التي لا تصون لغتها من العبث والتحلل لن يبقى لها شيء تصونه.
كان من روابط وحدة اليونانيين في مقاومة الغزاة الفرس أن المجتمع اليوناني بأكمله تربطه صلة الدم الواحد واللسان الواحد.
هيرودوت
من شأن التعريب أن يقوي الشعور بالانتماء والنخوة القومية، ويعزز الثقة بالنفس والاعتزاز بالهوية. يقول د. كمال بشر: «ليس من المقبول شكلا وموضوعا أن يظل العلم (أو بعض فروعه) في البلاد العربية أسيرا للغات أجنبية تفكيرا وتناولا وتحصيلا حتى هذه اللحظة، ذلك أن إيثار اللغات الأجنبية على لغتنا القومية فيه تقليل لشأنها وإضعاف لمنزلتها بين الناس، وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى خلق جو علمي ثقافي مضطرب لا هو إلى الأجنبي ينتمي، ولا إلى العروبة ينتسب، وإنما هو جو فاقد الهوية مشتت السمات مشرد القسمات، ليس له حدود ضابطة ولا أصول ثابتة، وهذا هو الضياع القومي والانهيار الفكري الذي ينذر بمحو روح الانتماء التي تعد اللغة قطبها الذي يتجمع وتتمثل فيه كل القيم والمثل وأنماط السلوك الفارقة بين قوم وقوم والمميزة لأمة عن أخرى.»