لقد استنفد المحافظون جهدهم طوال قرن في مهاجمة العامية
19
وتتبع لحن العامية والتنديد به، بينما كانت العامية «تلقى هذا كله بقوة خفية، توشك أن تكون سحرية، هي قوة الحياة، وقوة المجتمع، فهي من الحياة وفي الحياة، وهي تستجيب لسنن الاجتماع مرنة طيعة، فلا تتأثر بتلك المهاجمة، بل مضت تنمو نموا مطردا، فتثري في مفرداتها، وتزيد طاقاتها الفنية، فتتخذ أوزانا للفن القولي جديدة، غير تلك التي عرفتها الفصحى، وبهذه القوة تقدمت فألزمت الفصحى مكانها المحدود، في الحياة الرسمية، دينية وحكومية، ومبلغ أمرها، في أحسن تصوير، أنها لغة القلم، والعامية لغة اللسان، وإنما اللغات صناعة الألسنة.»
20 (4) دانتي وفصاحة العامية
قلنا: إن حالنا في الازدواجية اللغوية أشبه بحال أصحاب اللغات الرومانية (الرومانسية/الشعبية)
Romance languages
في عصر النهضة، وكان دانتي واحدا من هؤلاء. في بداية القرن الرابع عشر كتب دانتي دراسة (لم يكملها ولم تصدر إلا بعد قرنين من كتابتها) بعنوان «في فصاحة العامية»
De Vulgari Eloquentia
21
مدح فيها مزايا اللغات المحكية التي يتعلمها الطفل تلقائيا وبشكل لا شعوري، وقابل بينها وبين اللاتينية المكتوبة التي تكتسب بشكل واع في المدارس عن طريق الأحكام القواعدية بوصفها لغة ثانية. لقد تمت دراسة التغيرات الصوتية وتم التعامل مع ظاهرة التغير اللغوي بطريقة منهجية، وربما كانت هذه هي البداية الحقيقية لعلم اللغة التاريخي كما نفهمه اليوم. لم تكن العاميات الرومانية مجرد لاتينية فاسدة بل لغات ذات جدارة وقائمة بذاتها، ومرتبطة تاريخيا باللاتينية بطرق مثيرة. تمت مناقشة هذا التغير اللغوي، وقد عزاه الكتاب إلى عوامل الاحتكاك والاختلاط اللغوي، وإلى التغيرات التدريجية المستقلة التي تحدث مع انتقال اللغة المنطوقة من جيل إلى جيل.
22
يقول دانتي في كتابه «في فصاحة العامية»: «إنني أعرف العامية بأنها اللغة التي يكتسبها الأطفال ممن حولهم عندما يبدءون في نطق الكلمات، وباختصار أكبر، هي اللغة التي نتعلمها بدون أي قواعد على الإطلاق من خلال تقليدنا لمربياتنا.»
23
ويقارن دانتي هذا النوع من اللغة ب «النحو»
24
الذي يعني به اللغة الرسمية؛ لغة الكتابة، وهو ما يصطلح عليه الآن باللغة الفصحى أو المعيارية (اللاتينية في زمن دانتي): «ولدينا بعدئذ كلام ثانوي آخر، سماه الرومان النحو، وإن لدى اليونانيين وغيرهم أيضا هذا الشكل الثانوي للغة ... ولكن قلما يكتسبها أحد لأن التمكن من قواعدها وفنها يتطلب وقتا طويلا ودراسة مثابرة.» وبين اللغتين (العامية والفصحى) يعتبر دانتي أن العامية هي الأنبل: «والآن بين اللغتين فالأنبل العامية: أولا لأنها اللغة الأولى التي نطق بها الجنس البشري، وثانيا لأن العالم كله يستخدمها وإن بضروب متباينة من النطق والشكل، وثالثا لأنها طبيعية بالنسبة لنا، بينما الأخرى أكثر اصطناعا وتعملا.»
وإن اللاتينية هي لغة الكنيسة، وهي لغة مقدسة، وسيبدو أقرب إلى الهرطقة إذا ما اقترحنا أن اللغة العامية هي الأنبل، ولكن دانتي يعرب عن إعجابه بما هو «طبيعي» في مقابل ما هو «اصطناعي»، أي كل ما يصنعه الفن
25 ... فالفن إنساني في جوهره، في حين أن الطبيعة إلهية في مصدرها. وفي كتابه «المأدبة»
Il Convito
الذي كتبه في نفس الفترة التي كتب فيها «في فصاحة العامية»، يدعو دانتي إلى أن يستعمل الناس لغتهم الخاصة لأن ذلك هو الأقرب والأوقع.
والحق أن العامية مغبونة، حتى في اسمها، الذي يومئ إلى تدنيها وسوقيتها، بينما هي في الواقع «فصحى الحياة»، ويغلب الاعتقاد بأنها «انحراف» عن اللغة المعيارية، أو تدهور لها أو فساد، بينما هي في أحيان كثيرة «تطور» نحو المرونة والسهولة والاقتصاد والنجاعة الاتصالية، يقول الشيخ أمين الخولي: «كلما بذلت محاولة لتمكين العربية من ابتلاع العاميات قيل إننا ندعو إلى العامية، وبناء على هذا تضيع جهود التيسير وتبقى الفصحى في عزلتها عن لغة الحياة وتبتلعها العامية.»