3
ويقول د. محمود فوزي المناوي: «... وتعليم أجنبي بلغة يزهو بها أصحابها وتزيد من تغريب شبابنا وعدم انتمائه. إن العرب يعيشون الآن مرحلة العولمة وهم يعانون الضعف والوهن الواضح، إننا أمام تحد خطير، فنحن في الوقت الذي نتطلع فيه إلى المستقبل بأمل المشاركة الفعالة في الحضارة الإنسانية نضع أيدينا على قلوبنا خشية ضياع هويتنا، والخوف كل الخوف من عدم استعمال الأسلوب العلمي في مواجهة العولمة، وأن يكون رد الفعل عندنا يفتقر إلى العقلانية فيتحه إما إلى تطرف يتبنى الثقافة الغربية (التغريب) أو تطرف ينحو نحو الانغلاق ورفض التعامل، وكلاهما كارثتان محققتان.»
4
تلك أصداء معاصرة لنذر تاريخية أقدم: يقول ابن حزم في «الإحكام»: «وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم.»
5
وفي «المقدمة» يقول ابن خلدون: «... وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس بالمغرب لبقاء الدين طلبا لها، فانحفظت بعض الشيء، وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين، حتى إن كتب العلوم
6
صارت تكتب باللسان العجمي، وكذا تدريسه في المجالس.»
7
مهددون نحن بالذوبان في عصر العولمة إذا لم نحكم قبضتنا على جمرة اللغة.
لم يعد الاحتلال احتلال أرض أو موارد مادية، إذن لكان الخلاص منه أيسر بما لا يقاس، الاحتلال اليوم هو احتلال العقل، احتلال الوعي، يتأتى بالمعلومة وبالمخترع وباللغة، ولا يتم الاحتلال اليوم بالقهر والإرغام، وإنما بالرضا والوفاق وطيب الخاطر، وربما برغبة من المهزوم ولهفة وولوع. لم تعد كلمة «محتل» اسم فاعل بل اسم مفعول. يذكرنا هذا الاحتلال الجديد بقصر اللابرنت الذي صنعه ديدالوس لمينوس ملك كريت، ومن خصائصه أن من دخله لا يستطيع أن يجد منه مخرجا. في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد، يقول ديدالوس مخاطبا ثيسيوس: «وقد قدرت أن ليس هناك سجن يستطيع أن يمتنع على رغبة السجين في الفرار، وأن ليس هناك أسوار ولا خنادق تستعصي على الجراءة والعزم، فرأيت أن الخير أن أقيم البناء وأنظمه بحيث لا يكون معجزا لساكنه عن الهرب بل مانعا له من التفكير في الهرب، فجمعت في هذا البناء ما يستجيب لشهوات الناس على اختلافها ... وكان يجب أيضا بل قبل كل شيء أن أضعف إرادتهم ... فاتخذت مواقد لا تخمد نارها في ليل أو في نهار ... والأبخرة التي تصاعد منها لا تنيم الإرادة وحدها، ولكنها تشيع سكرا خلابا، وتدفع إلى فنون من الخطأ المغري، وإلى ضروب من النشاط الفارغ ... ولكن أشد من هذا كله غرابة أن هذه العطور إذا استنشقها الإنسان حينا لم يستطع أن يستغني عنها؛ لأن الجسم والعقل قد اتخذ منها متاعا لا قيمة بإزائه للحياة الواقعة ولا رغبة في العودة إليها، وإنما هو البقاء المتصل باللابرنت.»
8
هذا هو حالنا اليوم في سجن العولمة، وفي لابرنت التبعية الاختيارية، والتنفج
9
والاستهلاك والتغريب.
كان غاندي يولي أهمية عظمى لقضية اللغة الوطنية، وينظر إليها باعتبارها رمزا سياسيا، «وكان مما أعلنه غاندي عام 1920 أن الأمة قد عانت كثيرا من استخدام اللغة الإنجليزية؛ مما حرم الأجيال من اكتساب الخبرات المتراكمة بلغة وطنية، وضرب غاندي مثلا باليابان التي لا توجد بها لغة أجنبية تحل محل اللغة الوطنية في البحث والتعليم؛ مما مكنها من تقديم كل شيء منافس للغربيين بلغتهم اليابانية، وقد تطلب منهم ذلك ترجمة المفيد إلى اللغة الوطنية فحولوا التراث الغربي بذلك إلى تراث وطني.»
10
ومن نكد الدنيا على الحر أن يعظه خصمه، ويهديه عدوه سبل الرشاد: فها هي اللغة العبرية تكشف إصداراتها من الكتب عن اعتزاز باللغة الوطنية: فمن بين 1147 عنوانا طبعت عام 86 - 87 ظهر 84٪ منها ابتداء بالعبرية، و16٪ ترجمة إلى العبرية، دون إصدار شيء بلغة أخرى.