تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا أيضا لا يتخلى عنا المجمع، فقد أجاز جمع «نية» على «نوايا» حملا لها على «طوايا» في جمع «طوية» التي ترتبط بكلمة «نية» في الدلالة، وحملا أيضا على نظائر أخرى كثيرة جمعت فيها «فعلة» على «فعائل»، وقد أجاز عدد من المعاجم الحديثة هذا الجمع كالأساسي والمنجد.»

112

صدفة

يقولون: لا تقل «قابلته صدفة»، والصواب «مصادفة»؛ لأن «صدفة» لم ترد عن العرب، و«صادفه» وجده أو لقيه أو قابله، وهي لا تحمل معنى المفاجأة، تقول «صادف نجاحا عظيما» أي لقي نجاحا وإن كان متوقعا، واستخدامها بمعنى اللقاء على غير موعد هو استخدام جديد مولد، أما الفعل «صدفه» فمعناه «صرفه»، و«صدف» عنه: أعرض، وصدفه عن كذا أي أمال وعدل به «وفي الذكر الحكيم:

سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (الأنعام: 157)، أي: يعرضون.»

هذه النبتة أيضا لماذا نقطعها؟ اللفظة خفيفة على اللسان (وأخف ظلا من ضرتها وأسلس نغما)،

113

شائعة مستتبة، محكية رائجة، ودلالتها مهمة كثيرة التوارد، وبمأمن تام من اللبس، وفي تفصيحها تقريب حميد بين العامية والفصحى نريد أن نستنه.

ولم يخذلنا المجمع في نبتتنا: «قابلته صدفة - صحيحة: يصح استخدام «صدفة» على اعتبارها مصدرا مستحدثا من الفعل «صدف» للدلالة على المعنى الجديد أو على اعتبارها اسم مصدر من «صادف» وقد أقر مجمع اللغة المصري استعمالها بهذا المعنى، وقد وردت الكلمة في عدد من المعاجم الحديثة كالمنجد والأساسي.»

114

مستديم/مستدام

كلمة «مستدام» من الألفاظ التي تسهم في توسيع الفجوة بين الفصحى والمحكية دون مقابل. فكنتا درجنا على استخدام كلمة «مستديم»، كما في «مرض مستديم»، «عاهة مستديمة»، «عجز مستديم»، ولم نصادف في ذلك مشكلة، ولم نسبب لأحد مشكلة ، حتى خرج علينا من يقول «مستدام» ويلح في قولها، فوقر في ظن الجميع أنها الصواب، بحكم قاعدة (تقر في أعماق الجميع) بأن الغريب أصوب من المألوف.

وتحقق في الأمر علميا فتجد أن الفعل «استدام» (الذي استعملته العرب في الغالب متعديا بمعنى طلب الدوام وعليه يكون اسم المفعول «مستدام» فصيحا بمعنى «مطلوب دوامه» - هذا الفعل قد ورد أيضا لازما بمعنى «دام»، فتكون مستديم بمعنى «دائم»، وهي صحيحة وأفضل من «مستدام»: أولا لأنها آلف منها وأساس، وثانيا لأنها اسم فاعل ولذا يليق استعمالها في جميع الأغراض دون حرج: ف «التنمية المستديمة» هي التنمية الدائمة، و«العجز المستديم» هو العجز الدائم، ولا يصح أن يقول أحد «عجز مستدام» لأن العجز لا يطلب دوامه!

وصفوة القول أننا إذا شئنا تيسير الاستخدام اللغوي ووضع الإصر عن مستخدمي اللغة فمن الأسلم والآمن أن نعمم «مستديم»؛ لأنها صائبة في كل مقام، و«مستدام» صائبة في مقام الخير وحده.

المباشر/المباشر

من تقاليع النطق أيضا هذه الأيام قول المذيعين «البث المباشر»، و«الاتصال المباشر»، فما الخطب؟!

الفعل «باشر» في اللغة يعني «لامس البشرة»، ويفيد الاتصال بلا واسطة، باشر زوجه: غشيها، يقول تعالى:

ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ، وباشر الأمر: تولاه بنفسه، وباشر الفعل: فعله من غير وساطة، وباشره النعيم: بدا عليه أثره، وباشر الشيء مباشرة: جعله ملاصقا له، وفي الحديث: «اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي.»

115

وفي المعجم الأساسي أن «مباشر» صفة للدلالة على ما ينجز حالا أو بدون واسطة، وحين يقول المذيع «البث المباشر» (اسم مفعول) فقوله صحيح بمعنى البث المباشر من قبل المذيع الذي يكون هو (أي المذيع) مباشرا له.

ولكن هل هذا، بعيش أبيك، هو المعنى الذي يقصده المذيع؟ الأغلب أن البث هو الذي «يباشر» هنا، أي يباشر المشاهدين أو المستمعين، ويتصل بهم حالا بدون واسطة، وأن المذيع لا يقصد غير هذا: البث مباشر للجمهور فكأنه يلامس بشرتهم لأنه يتم بدون واسطة، ويتم حالا؛ وعليه فإن «مباشر» بكسر الشين أصح وأسلم في عامة الأحوال من «مباشر».

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٧٠