105
وقبل ذلك وقف العلامة عبد القادر البغدادي ... عند قول الفرزدق «نواكس الأبصار» فعرض أمثلة من هذا الجمع جاوزت العشرة، ثم وصلت بعده إلى ما يربي على الثلاثين، وذكر الفيومي في المصباح المنير والزبيدي في تاج العروس أمثلة أخرى، وقال الزبيدي «إذا كان قوارئ جمع قارئ فلا مخالفة للسماع ولا للقياس فإن فاعلا يجمع على فواعل.»
106
من الأفضل بالطبع ألا نجمع فاعلا المذكر العاقل على فواعل إلا للكلمات الشهيرة الرائجة، حتى نحتفظ بفواعل للمؤنث العاقل (حوامل، عوانس، طوالق ...) ونحفظ للغة فصاحتها ودقتها، وإنما ركزنا على هذه التخطئة لأنها تكشف لنا أن الادعاء بأن العرب لم تقل كذا فيه مجازفة، وتهيب بنا ألا نسارع بتخطئة الناس. وقد حسم المجمع هذا الأمر ف «أجاز جمع فاعل، وصفا لمذكر عاقل، على فواعل؛ وذلك لما ورد من أمثلته الكثيرة في فصيح الكلام، وقد ورد الجمع «فواعل» في شعر أورده ديوان الحماسة كقول الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
خضع الرقاب نواكس الأبصار
كما ورد في المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد.»
107
كلل
كلنا يقول على السجية: «دون كلل» أو «لا يعرف الكلل»، ولا يخطر له أن هناك من يخطئون هذه الكلمة لأنها لم ترد في المعاجم القديمة، والمستعمل في العربية: الكلال والكلالة، أما الكلل والكلة فمعناها الحالة، فيقال: بات فلان بكلل سوء، أي بحالة سوء، غير أن «السليقة» العربية تبقى غير مقتنعة: لماذا يجوز لي أن أقول «ملل» ولا يجوز أن أقول «كلل»، والمبدأ يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؟! لماذا يحظر علينا أن نقول: «دون كلل أو ملل»، ذلك التعبير السلس الرفيق المسعف؟
وقد حسم مجمع اللغة المصري هذه المسألة، واعتبر هذا الاستعمال صحيحا «اعتمادا على سندين: (1) أن مصادر الثلاثي أغلبها سماعي. (2) عملا بقرار مجمعي سابق بإجازة تكملة فروع مادة لغوية لم تذكر بقيتها في المعاجم.»
108
ولعلها فرصة للحديث عن قضية عامة هي أن ألفاظا عربية كثيرة لا تذكرها المعاجم اللغوية ولكن عدم ذكرها لها لا ينفي عربيتها وأصالتها، وبالتالي تنتفي حجة من يخطئ اللفظ لمجرد أنه لم يرد عن العرب أو لم يرد في المعاجم، يقول المعري في «عبث الوليد»: «لا يمكن أن يحاط بجميع ما لفظت به القبائل؛ إذ كان ذلك غاية ليست بالمدركة»، ويقول أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير.»
109
ذلك أن العرب انشغلوا عن الشعر زمنا بالجهاد وغزو فارس والروم، «فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره.»
110
وهذا ابن فارس أحد أصحاب المعاجم الكبيرة يعقد في كتابه «الصاحبي» فصلا عنوانه «باب القول على لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها» ويصدره بقوله: قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي، «وإذا كانت اللغة بهذه السعة، وقد ضاع مع ذلك كثير من شعر أصحابها على ما يقرره ابن سلام كذلك؛ فالقول بعدم إحاطة المعاجم باللغة صحيح، والقول بأن من اللغة ما ليس في المعاجم صحيح، والقول بأن في الإمكان تقرير عربية كلمة وأصالتها ولو لم ترد في المعاجم صحيح.»
111
ولا يفوتنا أن نحيل القارئ إلى بحث الأستاذ أمين ظاهر خير الله «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» الذي سبقت الإشارة إليه في حديثنا عن المعايير التي يستند إليها المخطئون، تحت العنوان الفرعي «اللحن».
نوايا
يقولون: لا تقل «نوايا»، والصواب «نيات»، وأقول: نعم، جمع «نية» على «نوايا» فيه شذوذ ولم تقل به العرب، ولكن «نوايا» شائعة وسلسة (نفترض حسن النوايا) وميزانها الصرفي والعروضي مختلف عن «نيات»، فلماذا نتنازل عنها وهي تزيد من ثراء العربية التعبيري والموسيقي، لماذا نقطع هذه النبتة اللفظية الجميلة؟