تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون ...»

96

غير أن استعمال «هل» لطلب التعيين قد شاع وانتشر بحيث لا يمكن رده، ويستخدمون بعدها «أو» لتجنب الخطأ، ولكن «أو» توقع في الالتباس وهو الخطأ بعينه! ولا حل لهذه العقدة إلا باتباع «ما ذهب إليه بعض النحاة من أن «هل» قد تكون بمعنى «الهمزة» فيعطف ب «أم» بعدها: جاء في الحديث الشريف: «هل تزوجت بكرا أم ثيبا؟» وقال الشاعر:

هل الله عاف عن ذنوب كثيرة

أم الله إن لم يعف عنها يعيدها؟

97

بمثابة

يقولون: لا تقل «كان لي فلان بمثابة الأخ»، والصواب «كان لي كالأخ» أو «مثل الأخ»؛ «لأن المثابة تعني: المنزل، والملجأ، والمرجع، ومجتمع الناس بعد تفرقهم، ومبلغ تجمع ماء البئر، وما أشرف من الحجارة حول البئر، والجزاء.»

98

وأقول: لماذا نخسر هذا اللفظ المهم في معناه الجديد المولد الذي يفوق الكاف و«مثل» في قوة الدلالة ورشاقة التعبير في سياقات معينة؟ يقول الأستاذ العقاد: «... إن هذه القضية بمثابة خطر دائم على السلام.»

99

وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «ذكرت المعاجم أن المثابة هي البيت والملجأ والمنزل، ولما كانت هذه المعاني يجمعها معنى المكان صح أن يقال : أنت لي بمكان الأخ، أو بمثابة الأخ، وليس هذا الاستعمال حديثا، فقد ذكر دوزي أنه ورد في الأحكام السلطانية للماوردي، ومقدمة ابن خلدون.»

100

كرس تكريسا

يقولون: لا تقل «كرس نفسه للعلم»، والصواب «وقف نفسه للعلم، أو على العلم»؛ لأن «كرس» هنا لفظة دخيلة على العربية (يونانية)، أما في العربية فإن للفعل «كرس» معاني أخرى: كرس الأشياء: ضم بعضها إلى بعض، كرس البناء: أسسه، كرس اللآلئ والخرز: نظمها في خيوط، فهي مكرسة.

وأقول: إذا كانت كلمة «التكريس»

Devotion

يونانية تكون كلمة مولدة مهمة في سياقات كثيرة، ولا يصح التنازل عنها، ولا بأس في هذه الحالة بأن نقترض من اللغات الأجنبية ونذعن لضغطها إذا كان من شأنه أن يزيد العربية ثراء ودلالة. وإذا كانت «كرس» عربية، بمعنى جمع وضم أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، يكون تعبير «كرس حياته للعلم» صحيحا، وكأن من يكرس حياته للعلم يجمع أوقات حياته كلها لأجل العلم. وقد أوردت بعض المعاجم الحديثة كمحيط المحيط والأساسي الفعل «كرس» بهذا المعنى، كما تردد كثيرا في كتابات المعاصرين مثل ميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم.

101

حار/احتار

يقولون لا تقل: «احتار في أمره»، والصواب «حار في أمره»؛ لأن الفعل «احتار» لم تتفوه به العرب،

102

وأقول: لماذا لا نشتقها اشتقاقا صحيحا من «حار» (افتعل من فعل)، ولماذا لا نجيزها بالشيوع ونماشي المحكية ما دام اللفظ خفيفا سائغا تستريح له الآذان وتقبله السليقة؟ ولم يخذلنا «معجم الصواب اللغوي» واعتبر «احتار» صحيحة «استنادا إلى اشتهاره وجريانه على القياس الصحيح، ويراد بهذه الزيادة حينئذ المبالغة في الحيرة، وقد أثبتته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي وتكملة المعاجم العربية ... وسمى أحد الفقهاء كتابه ب «دليل المحتار»

103 (محتار اسم فاعل من احتار).

بواسل

يقولون: لا تقل هؤلاء الضباط البواسل، وقل: البسلاء والباسلون؛ لأن «بواسل» جمع لغير العاقل وللمؤنث، تقول أسد باسل وأسود بواسل، وفتاة باسلة وفتيات بواسل، أي باسلات ... والجمع الآخر «بسل» ... كتب د. مصطفى جواد: «قال العقاد: إن بعض الفرسان البواسل، وإنما البواسل جمع باسلة للمرأة وباسل للحيوان كالأسد، وللرجال يقال البسلاء والباسلون.»

104

والحقيقة أن «فاعل» يجمع قياسا على «فواعل» إذا كان اسما أو وصفا لمؤنث عاقل أو وصفا لمذكر غير عاقل، أما إذا كان وصفا لمذكر عاقل فلا يجمع عادة على «فواعل»، «ويدعون أن العرب لم تجمع من صفات المذكر العاقل على «فواعل» سوى ثلاث كلمات، هي: هالك وفارس وناكس، فتصبح: هوالك وفوارس ونواكس، ولكن بعض الباحثين المعاصرين اهتدى في الكلام الفصيح إلى جموع كثيرة جاوزت الثلاثين، وكل واحد منها وصف لمذكر عاقل، منها: سابق سوابق، سابح سوابح، حاسر حواسر، قارئ قوارئ، كاهن كواهن ...»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٦٨