وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ... وقال:
قلنا احمل فيها من كل زوجين (هود: 40)، أي ذكرا وأنثى.»
كل هذا حسن وجميل ، ولكن في سياقات معينة يكون ثقيلا ومسترذلا ومتعثرا في الدلالة: هبني اشتريت سبع علب من الأحذية لي ولأبنائي في كل علبة زوجان، أو هبني اشتريت ثلاث عشرة علبة، فماذا أقول بالله عليك: اشتريت أربعة عشر زوجا من الأحذية، أو ستة وعشرين زوجا في الحالة الثانية؟ أهذا بربك يمكن أن يقال في الحياة الحقيقية؟ أليس هذا بثقيل ملتبس الدلالة؟ أليس الأقرب للسليقة أن أقول اشتريت سبعة أزواج من الأحذية، ومفهوم أن كل زوج هو حذاءان اثنان وليس فرد حذاء بالطبع والبديهة؟! وماذا لو علمنا أن الصحاح واللسان والتاج ومد القاموس ومتن اللغة قد أجازت جميعا أن يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج؟ لماذا نضيق على العربية مجال الدلالة وفيها متسع، لماذا نقلص الدلالة وننقصها من أطرافها؟ ولمصلحة من نفقر هذه اللغة الرخية الرحيبة؟ وأي طائل دلالي أو جمالي نناله من وراء التضييق؟
لغتنا رخية سخية رحيبة: تجيز أن نستعمل المفرد بمعنى المثنى (اشتريت حذاء جديدا، خلع نعله، تحلت أذناها بقرط، ضعف الشيء أي مثلاه، رأيته بعيني ...)، ونستعمل المثنى للمفرد (قفا نبك، قص شاربيه، يحمل همومه على كاهليه ...)، والجمع للمفرد (قص شواربه، وأردف أعجازا ...)، والجمع للمثنى (فتوردت وجناته، ضحك ملء أشداقه، كحلت عيونها، عريض الأكتاف، مشى على أقدامه،
قالتا أتينا طائعين ،
إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ...).
منسوب الماء
ويقولون: لا تقل «منسوب الماء» والصواب: «مستوى الماء»؛ لأن المنسوب في العربية هو ذو الحسب والنسب، أو الشعر المنسوب أي الذي فيه نسيب أي غزل، أو الخط المنسوب أي ذو القاعدة. وأقول: لماذا لا نضيف هذا المعنى الجديد إلى المعاني القديمة؛ لدقته الدلالية وبخاصة في مجال العلم (منسوب الماء في البئر أو في النهر أثناء الفيضان أو منسوب السائل في المخبار ...)، وكلها مختلفة في معناها عن مجرد «المستوى»: إنها «الارتفاع» الحاصل في المستوى محددا ومقيسا، لماذا نحبس الدلالة في حذاء صيني ونخنق العربية بأيدينا؟ لماذا نقف بالألفاظ حيث وقف الأسلاف ونوجس من توسيع الدلالة في زمن تتسع فيه المعاني وتتفجر بلا توقف ؟
وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أنها صحيحة: «يشيع في الاستعمال المعاصر قولهم: منسوب الماء، ويعنون به المستوى الذي يصل إليه في ارتفاعه، وهو معنى لم يرد عن العرب، فهو من باب التوسيع الدلالي للكلمة، وقد أوردتها المعاجم الحديثة بهذا المعنى الجديد، ونص الوسيط على أنها محدثة.»
82
يسري (الحكم)
يقولون: لا تقل «هذا الحكم يسري من أول الشهر» والصواب: يجري، أو ينفذ، أو يمضي؛ لأن «سرى» في العربية معناه: سار ليلا،
83
وأقول: وماذا عن «يسري» بمعنى ينطبق ويشمل (لا يسري هذا القانون إلا على الفئات التالية ...)؟ لماذا لا نضيف هذا المعنى المولد إلى المعاني القديمة وهو معنى شائع ومستعمل ومحكي ومسعف؟ وكيف نتنازل عن خدماته الدلالية في سياقات كثيرة قانونية وعلمية؟
يقول الأستاذ العقاد: «... لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها ...»،
84
ويقول الأستاذ أمين الخولي: «وهذه العادة سادت بين أهل القاهرة الخاصة ثم سرت منها إلى بعض المدن الكبيرة كدمشق ...»،
85
وفي «معجم الصواب اللغوي»: «هذه الأوامر تسري على الجميع - صحيحة، قال في المصباح: سرى فيه السم والخمر ... وسرى عرق السوء في الإنسان ... وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم. وبناء على هذا يصح قولهم: تسري الأوامر على الجميع.»