تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

86

استضاف

يقولون: لا تقل «يستضيف البرنامج الأستاذ ...»، أو «استضافت القاهرة أعضاء المؤتمر»؛ لأن «استضاف» في العربية تعني: طلب من غيره أن ينزله عنده ضيفا، أي طلب الضيافة، أو طلب أن يضيف. يقول ابن المقفع: «إن استضافك ضيف وأنت لا تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك.»

وتفيد صيغة «استفعل» في العربية معاني كثيرة أهمها الطلب: مثل استغفر الله أي طلب غفرانه، ومثل استطعم واستكتب واستفتى واستعطف ... إلخ، وإذا كان الطلب من جانب الضيف هو السائد في الثقافة العربية بحكم الظروف البيئية فلقد تبدلت أشكال الحياة وأصبح المضيف هو الذي يطلب الضيف، الطلب إذن ذو اتجاهين: فقد يكون من الضيف إلى المضيف، وقد يكون من المضيف إلى الضيف، أي من المضيف إذ يطلب ضيافة الغير عنده، أي «يستضيفه»؛ وعليه يجوز أن «يستضيف البرنامج الأستاذ ...»، وأن «تستضيف القاهرة أعضاء المؤتمر».

استبدل ب

يقولون: لا تقل «أبدل ثوبه القديم بثوب جديد» لأن الباء تدخل على المتروك، والحق أن هذه القاعدة مطردة إلى حد كبير، كما في قوله تعالى:

أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير (البقرة: 61)، وينبغي الالتزام بها منعا للبس، غير أنه في بعض الأحيان قد يحكم السياق بترك القاعدة دون تضحية بالوضوح والإبانة. فحين قال شوقي: «أنا من بدل بالكتب الصحابا» لم يحدث أي لبس من جراء هذه الرخصة التي هلل لها بعض مناوئيه، وإن المتلقي ليدرك قصده مبرأ من أي التباس. وفي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية» يقول الأستاذ أمين الخولي: «... أن بعض أهل القاهرة كان استخشن نطق القاف فأبدله بالهمزة»، ولا نحسب أن في تعبير الخولي أي لبس، وهذا هو المحك اللغوي الأول والأخير. وبمراجعة الأمر علميا وجدنا أنه «ورد في بعض المعاجم جواز دخول الباء على غير المتروك، وهو ما أخذ به مجمع اللغة المصري، وإن كان الأفضل إدخالها على المتروك منعا للبس.»

87

اعتد (بنفسه)

يقولون: لا تقل اعتد بنفسه وقل اعتز بنفسه؛ لأن اعتد تعني أشياء أخرى مثل: صار معدودا، اعتد الأمر لعبا: حسبه وظنه، اعتد الشيء: أحضره، اعتد للشيء: تهيأ له، اعتدت المطلقة: دخلت في أيام عدتها، لا يعتد به: لا يهتم به.

وأقول: «الاعتداد» المقصود في هذا المقام غير «الاعتزاز» وأكثر رهافة وعمقا، هو يعتد بنفسه أي يقدرها ويحترمها ويعتبرها ويعدها شيئا، ألا تقول العرب: «هذا شيء لا يعتد به»؟ فلنضف إلى معجمنا هذا المعنى الجديد الشائع الراسخ، والجائز من ثم والمشروع، أضف إلى ذلك أن «اعتد» جاء في الوسيط بمعنى اهتم، وفي الأساسي بمعنى وثق بنفسه، وفي المنجد بالمعنيين.

انطلى

يقولون: لا تقل «انطلت عليه الحيلة» والصواب «جازت عليه الحيلة»؛ لأن الفعل المطاوع «انطلى» لا وجود له في كلام العرب.

وأقول: ولكن له وجودا مهما في الاستعمال الجاري ، لقد درجت اللفظة وشاعت واستتبت وقدمت دلالة جديدة أخص وأدق وأقوى من «جازت»، ولن نعدم أكثر من تخريجة لغوية تجعل منها استعمالا صحيحا، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن مجمع اللغة المصري أقر قياسية مجيء «انفعل» مطاوعا ل «فعل» المتعدي الدال على معالجة حسية، ومن ثم أجاز استعمال «انطلى»، وقد أوردته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي.

88

رغم

يقولون: لا تقل «فعل كذا رغم كذا»، ولا تقل «رغم فلان» أو «رغم أنف فلان». يقول د. جواد: واللغة العالية هي في استعمال «على»، أي «على الرغم من أنفه» و«على رغم أنفه»، ودونها لغة استعمال الباء أي «برغم»، وغير الفصيح هو قولهم «رغم»، وللشعر ضرورات لا تسوغ للناثر الحر المختار، فقل «على الرغم» و«بالرغم» ولا تقل «رغم» إلا في الشعر.

وأقول: إن استعمال «رغم» فيه اقتصاد وخفة وليونة، سواء جاءت في بداية العبارة أو في نهايتها، وكثيرا ما يحتم هذا الاقتصاد استعمالها، وبخاصة إذا كان الوزن العروضي يحبذها. ألست ترى أن «على الرغم من» ليست أكثر من «رغم» وقد تعكنت وثقلت بلا أي مقابل دلالي يذكر؟! وقد اعترف د. جواد بسواغها في الشعر، غير أن للنثر موسيقاه وإيقاعه، كما بينت ذلك في موضعه (في فصل «مزايا العربية»)، ومن ثم فإن علينا إجازة كل ما يثري جماليات الكتابة ويضع أمام الكاتب بدائل عديدة يختار من بينها الأنسب، ما دامت هذه البدائل صحيحة فصيحة.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٦٥