تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45 ... وكان السائد في الجيل الماضي اتجاه اللغويين إلى النظرة للغة نظرة معيارية صرفا: فمهمة النحو تدريس قواعد صحة الكلام، ووظيفة المعجم ليست إعطاء معاني الكلمات فقط بل الإشارة أيضا إلى ما يجب أن تعنيه الكلمات، ولكن الاتجاه الآن يسير ضد هذا الاتجاه المعياري، إذ أصبحت جل المؤلفات اللغوية «تصف» الاستعمال اللغوي في صورتيه الماضية والحاضرة ... مع وضع «التغير اللغوي» في الاعتبار؛ «لأن اللغة في أي لحظة من لحظاتها ليست فقط ما هو كائن بالفعل وإنما ما سيكون في المستقبل، فاللغة في حركة دائمة وفي تحول دائم.»

46

لم يكن قدامى اللغويين العرب يبحثون أسباب التغير، ربما لأنهم عدوا التغير خطأ وحثوا العامة على اجتنابه، وقصروا جهدهم على تعقب الخطأ ورصده، بغية التحرز منه واجتنابه، في «أدب الكاتب»، على سبيل المثال، أفرد ابن قتيبة بابا بعنوان «باب معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه»،

47

صفوة القول أن قدامى اللغويين لم يدرسوا التغير لأنهم عدوه لحنا، فدرسوا اللحن!

اللحن

منطق صائب وتلحن أحيا

نا وأحلى الحديث ما كان لحنا

للحن معان عديدة تدور حول معنى عام هو «الميل» وتحول الشيء من هيئته المألوفة إلى أخرى غير مألوفة. من معاني اللحن: الغناء والتطريب، اللهجة الخاصة، الفهم والفطنة، التعريض والإيماء والتورية، الخطأ في اللغة.

48

بعد أن اختلط العرب بالأعاجم بدأ اللحن يظهر على ألسنتهم؛ فكانت ردة الفعل الطبيعية من جانب العلماء استهجان هذه الحال والتنادي لوضع حد لها، من هنا نشأت حركة تصحيح لغوية كبيرة تنبه على الأخطار وتشير إلى وجه الصواب ، وأثمرت عددا كبيرا من الكتب التي عرفت باسم «كتب اللحن»، وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق.

من أسباب ظهور اللحن:

اختلاط الفصحى بغيرها من اللغات.

إقدام الكثير من الرواة على وضع الشعر واختلاقه؛ لإثبات قاعدة نحوية أو صرفية، أو لنصرة مذهب سياسي أو كلامي أو لغوي.

وقوعه من ذوي الشأن كالخلفاء والوزراء والعلماء، والتماسهم من ينقذهم من وهدته.

تنازع النحاة في المسألة الواحدة. ومن شأن ذلك أن يشجع اللاحنين على ما هم فيه ما داموا يجدون من يلتمس الشاهد أيا كان ويصوب الفاسد ويقوي الضعيف.

اغتفار اللحن في مواقف خاصة.

الاضطراب الاجتماعي والسياسي.

49

يستند المخطئون إلى معايير معينة يمكن تلخيصها فيما يلي:

عدم السماع:

أي عدم ورود اللفظة عند العرب الفصحاء في عصر الاحتجاج. ولهذا المعيار عيبان أساسيان: (1) فهو يقصر في كثير من الأحيان أمام حاجة العصر للألفاظ الجديدة، وقد أحسن مجمع اللغة العربية المصري صنعا عندما حرر السماع من قيود الزمان والمكان، ليشمل ما يسمع اليوم من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين وغيرهم من أصحاب الحرف والصناعات، وأجاز الاعتداد بالألفاظ المولدة وتسويتها بالألفاظ المأثورة عن القدماء.

50 (2) وهو يقتضي من يتخذه أن يكون مطلعا على كل ما ورد عن العرب، وهذا شبه مستحيل، وفيه كثير من المجازفة.

عدم القياس:

القياس هو رد الشيء إلى نظيره، وقد روي عن الخليل وسيبويه قولهما «ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم»، وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأخذ بمبدأ القياس، ثم أطلقه ليشمل ما قيس من قبل وما لم يقس، وقد قسم ابن جني كلام العرب من حيث الاطراد والشذوذ إلى: (1) مطرد في القياس والاستعمال جميعا، مثل: قام زيد، ضربت زيد، مررت بسعيد. (2) مطرد في القياس شاذ في الاستعمال: مثل الماضي من «يذر» و«يدع». (3) مطرد في الاستعمال شاذ في القياس: مثل: استصوبت الأمر، ولا يقال استصبت، ومثل: استحوذ، واستنوق الجمل، واستفيل الجمل واستتيست الشاة. وهذا الضرب من الكلام لا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره. (4) شاذ في القياس والاستعمال جميعا: كتتميم مفعول فيما عينه واو، مثل: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وحكى البغداديون: فرس مقوود ورجل معوود من مرضه،

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٥٧