51
وقد أحسن ابن جني إذ لم يخطئ إلا ما شذ في القياس والسماع معا.
عدم ورود اللفظة في المعاجم:
وهو معيار فيه مجازفة أيضا لأن المعاجم لم تحط بكل ما قالته العرب. يقول أمين ظاهر خير الله في كتابه «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» (المطبعة العلمية، بيروت، 1932): «هذا جانب صغير مما أغفلت المعاجم ذكره، ولو اتسع لي المقام لجئت بمئات من الأفعال والأسماء وردت في كلام أمراء الشعر والنثر ولم يرد الجلاء عنها في المعاجم.»
52
الاستناد إلى اللغة الأفصح:
ويعنون بالأفصح دائما المأثور السائر الرائج بين الفصحاء، ولكن «الغريب» و«الشاذ» و«القليل» و«النادر» جزء من ثروة اللغة، ولا خلاف في كونه من أسلم كلام العرب، فقد ورد في القرآن والحديث وشعر العرب ونثرهم، وقد تكون ندرته منسوبة إلى زمان معين أو مكان معين، كما أن الحكم بالشذوذ والندرة والقلة فيه مجازفة لأنه يستدعي قراءة التراث كله، وما نحكم عليه بالشذوذ قد لا يكون كذلك لو وصل إلينا كل ما قالته العرب. وقد كان البصريون يبنون قواعدهم على الغالب الأعم من اللغة ويئولون ما يرونه شاذا أو نادرا أو قليلا، بينما كان الكوفيون يقيسون هذا الشاذ أو النادر، وقد ثبت في كثير من المسائل صحة ما ذهب إليه الكوفيون: مثل إجازة النسبة إلى الجمع، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، وتقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا متصرفا، وجواز تعريف العدد المضاف إضافة معنوية ب «أل» ... إلخ.
53
الاستناد إلى قواعد النحو والصرف:
ولكن هذه القواعد نفسها لا تخلو من الفساد في بعض الأحيان! وخاصة عندما منع النحاة اشتقاق وزن «فاعل» من «فعل»، أو جمع «فعل» على «أفعال»، ومجيء «كافة» إلا حالا، ودخول «أل» على «بعض»، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، واشتقاق أفعل التفضيل من اللون ... إلخ، وغير ذلك مما أثبت الاستقراء اللغوي السليم صحته.
54
رفض المولد:
أي الذي استعمله الناس بعد عصر الرواية، وهو معيار يفضي إلى تحنيط اللغة في ألفاظها ومعانيها، فكل لفظ قديم كان ذات يوم «مولدا» إن جاز التعبير، وقبول المولد سنة طبيعية في اللغات جميعا، ومظهر حيوي للغة يساعد على بقائها ونمائها وتطورها. (2-2) المستوى الصوابي
حين نقول: إن السلطة اللغوية هي المجتمع اللغوي، فإنما نعني تلك «الجماعة التي تستعمل نظام الكلام بطريقة موحدة»، على حد قول بلومفيلد، ففي كل وسط اجتماعي متجانس السكان نجد عادة أن للغة شيئا من الوحدة، بل إنه لشرط أساسي لوجود اللغة أن يحرص من يتكلمونها على استخدام نفس الوسائل للتعبير،
55
فالجماعة المتزاملة لغويا تستعمل، كما يقول فيرث، ما يتقاسمونه من تجارب مشتركة، وهم يستمسكون بهذا التماثل ويحرصون عليه؛ لأنه شرط الفهم والإفهام في بيئتهم الخاصة.
56
والأفراد يكتسبون اللغة من بيئتهم وفي عصرهم الذي عاشوا فيه، ومن ثم فإنهم يراعون اللغة كما تنطق في عصرهم لا كما تنطق في عصور سبقت، ولا كما ينبغي أن تنطق وفق نموذج مثالي لعصر ذهبي غيبته الأيام، اللغة في تغير مستمر، وقد يكون هذا التغير بطيئا لا يتضح إلا بمرور جيل أو أجيال، ولكنه يحدث، ولا ينفيه بطء حدوثه، ونحن إذ نفترض الثبات اللغوي فإنما نفعل ذلك لدواعي التشريح والدراسة، وبغية اقتناص «حالة لغوية» سينكرونية لضرورة الرصد والتقعيد، بينما اللغة في حركة مستمرة والعرف اللغوي في تغير دائب، الثبات اللغوي إذن ليس أكثر من حيلة إجرائية ووهم عملي.
نخلص من ذلك إلى تعريف المستوى الصوابي على أنه: «مراعاة العرف اللغوي المقتصر على بيئة خاصة في زمن خاص، مع اعتبار التطور في اللغة، يتوافق معه نشاط المتكلم ويلاحظه الباحث بهذه الصفات.»
57
يتبع ذلك بالضرورة تغير ما يراعيه المتكلم على حسب العرف اللغوي الجديد الذي يفرض نفسه عليه كي يتوافق معه، ويترتب عليه أن مستعمل اللغة لا يطالب بغير مراعاة المستوى الصوابي في اللغة الذي اكتسبه من الجيل الذي هو أحد أفراده، ومن عرف العصر الذي عاش فيه .