وفي مقاله «النحو والمنطق الأرسططاليسي» يقول د. علي الوردي: «وبهذا صارت القواعد النحوية في وضعها النهائي معقدة أو متشعبة جدا، فابتعدت عما تقتضيه السليقة الفطرية من بساطة ووضوح. والذي يدرس القواعد النحوية الموجودة بين أيدينا دراسة موضوعية يشعر بأنها قواعد اصطناعية غير طبيعية، وليس من المعقول أن يتكلم بها بشر على هذه الأرض.» أما د. تمام حسان فيقول في نهايات كتابه «اللغة بين المعيارية والوصفية»: «كانت دراسة النحو في مبدئها وسيلة إلى غاية، ولكنها سرعان ما أصبحت غاية في ذاتها متعددة الوسائل والطرق، كانت في مبدئها تقوم على الاستقراء والتقعيد، فأصبحت بعد زمن تقوم على القاعدة والتطبيق، وخلف من بعد الرعيل الأول من رجالها خلف وقفوا من النحو موقف المتكلمين من الدين: كان الدين سمحا فطريا فجعله المتكلمون فلسفة وقضايا منطقية، وكان النحو سهلا هينا وصفيا فجعله النحاة فلسفة وقضايا معيارية منطقية أيضا.»
38
بذلك يصدق قول الخليل بن أحمد، عن رواية الجاحظ في «الحيوان»: «لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه»، وكذلك قول ابن خالويه حين طلب رجل أن يتعلم من العربية ما يقوم لسانه: «أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو وما تعلمت ما أقيم به لساني!»
الفصل السادس
| التغير اللغوي
التغير يحفظ نظام الأشياء، ويبقي العالم صبيا على الدوام.
ماركوس أوريليوس
الإنسان يحيا بالتغير، الحياة لم تعط له لكي يحفظها، بل لكي يغيرها.
أدونيس
يقول فرديناند دي سوسير: «إن الزمن يغير كل شيء، إذن ليس من سبب يجعل اللغة لا تخضع لهذا القانون العام ... فاللغة لا حول لها في الدفاع عن نفسها في مواجهة القوى التي تغير من لحظة إلى أخرى العلاقة بين المدلول والدال، وهذه إحدى نتائج الطبيعة الاعتباطية للعلامة.»
1
وحيثما كان هناك جماعة بشرية تسير في الزمان فثم تغير سيعروها شاءت أم أبت، وليست اللغة من ذلك ببعيد، فالحق أن «الزمن إذ يفكك المدلول والدال فإنه لا يعمل في فراغ بل في مجتمع المتكلمين، فلا وجود للغة خارج الإطار الاجتماعي، وإذا نظرنا إلى اللغة ضمن الزمن وأهملنا مجتمع المتكلمين (تصور فردا لوحده يعيش عدة قرون) ربما لا نلاحظ أي تغيير، فالزمن إذاك لن يؤثر في اللغة، وعلى العكس من ذلك، فإذا أخذنا بعين الاعتبار مجتمع المتكلمين وأهملنا الزمن لما رأينا أثر القوى الاجتماعية التي تؤثر في اللغة.»
2 «التطور أمر لا مناص منه، ولا توجد لغة واحدة في العالم تقاومه، فما إن تمض فترة من الزمن حتى تدون بعض التغييرات الواضحة. إن التغيير أمر لا بد منه حتى إنه ليظهر في اللغات الاصطناعية (غير الطبيعية). بوسع من يخترع لغة ما أن يسيطر عليها قبل أن توضع موضع الاستخدام، ولكن ما إن تدخل في مجال الاستخدام لتحقيق الغاية التي وضعت من أجلها حتى تصبح ملكا لجميع الأفراد؛ فيفقد صاحبها السيطرة عليها.»
3
يقول فونت في كتابه «عناصر السيكولوجية الشعبية»: «اللغة يستحيل أن يخلقها فرد من الأفراد، صحيح أن أفرادا قاموا باختراع الإسبرانتو وغيرها من اللغات الاصطناعية، إلا أن هذه الاختراعات كان من المستحيل تحقيقها ما لم تكن هناك لغة أصلا، بل لم تستطع أي من هذه اللغات أن تعيل نفسها، ومعظمها لم يعش إلا بفضل عناصر مستعارة من لغات طبيعية.»
4
وعن هذه اللغة الاصطناعية يقول سوسير:
5 «ولنأخذ الإسبرانتو
6
على سبيل المثال: إذا نجحت هذه اللغة ستتحرر من القيد الذي فرض عليها، فأغلب الظن أن الإسبرانتو بعد أن توضع قيد الاستخدام تدخل مرحلة من الحياة الكاملة للعلامة اللغوية، وتنتقل طبقا لقوانين تختلف تماما عن تلك التي وضعت لتلائم طبيعتها المنطقية الأولى: ولن تعود إلى هذه الطبيعة أبدا. إن الذي يقترح لغة ثابتة تستخدمها الأجيال المقبلة وتقبلها بطبيعتها الأولى فإن مثله كمثل الذي يضع تحت الدجاجة بيضة البط، فاللغة التي يخلقها هذا الرجل يجرفها، رغم صاحبها، التيار الذي يجرف بقية اللغات.»