على ما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا.
أما وجد هذا لبيتي مخرجا في العربية؟
أما إني لو أشاء لقلت ... ولكني لا أقوله.
تترجم هذه الأقوال للفرزدق جوهر الصراع واختلاف الوجهة. لم تكن قوالب النحو وقضبانه مما يعني الفرزدق، بل كان يتخذ مستوى صوابيا آخر، الفرزدق من الشعراء (أمراء الكلام، الذين يحتج بهم ولا يحتج عليهم)، وقد كان يحس بعمق الأزمة وهول الخطر الذي يحدق بالعربية في تلك الحقبة: ثمة مقولات غريبة تريد أن تلتف على العربية؛ كي تؤدبها وتسلكها على اطراد واحد، ثمة لواء للفصاحة يوشك أن ينتزع، لكأنه يدفع عن اللغة غازيا أجنبيا يريد أن يأسرها لا أن يفهمها!
وقد كان أحرى بالنحوي أن يقف من الفرزدق موقفا آخر، كموقف أبي عمرو بن العلاء فيما سبق، وهو أن يأخذ أبيات الفرزدق على أنها مادة لغوية يضيفها إلى ما لديه؛ لكي يصف ويستقرئ ويستخلص منها ما يكمن فيها من اتجاهات وميول لغوية، لا أن يقف هذا الموقف المعكوس فيعايرها بما لديه من قواعد «مقيسة على الأكثر وتسمى ما خالفها» خطأ (لا لغات كما كان أبو عمرو يسمي).
كان عيسى بن عمر النحوي يخطئ النابغة في قوله:
فبت كأني ساورتني ضئيلة
من الرقش في أنيابها السم ناقع
35
ويقول: موضعها ناقعا، وللأستاذ العقاد رد بليغ على هذه التخطئة وعلى الأساس الذي تقوم عليه التخطئة، يقول العقاد: «وإن هذه الموسيقية لتعلم النحاة أحيانا كيف ينبغي أن يفهموا الشعر في هذه اللغة الشاعرة؛ لأن المزية الشعرية في قواعد إعرابها أسبق من المصطلحات التي يتقيد بها النحاة والصرفيون ... فينسى النحاة أن علامة الرفع في القافية تدل على الصفة وتعطي الكلمة معناها الذي يلائم الوزن ويلائم الإعراب، وما أخطأ النابغة حين قال «ضئيلة ناقع في أنيابها السم» ... ولا هو بمخطئ في تأخير الصفة إلى مكان القافية؛ لأنها - وهي مرفوعة - لا تكون إلا صفة موافقة لموصوفاتها أينما انتقل بها ترتيب الكلم المنظوم.»
36
الخطأ هنا خطا فهم قبل أن يكون خطأ لغة، والاختلاف هنا اختلاف ثقافة واختلاف منطق، فالنحويون الموالي كانوا يقيسون اللغة بمقياس آخر غير لغوي، ويعايرون العربية بمعيار غير عربي، وصدق فيهم قول أبي عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: «ويلك يا عمرو، إنك ألكن الفهم ...»، لاحظ أنه يصف عقله (أي منطقه) باللكنة، أي بالافتقار إلى الصبغة العربية؛ لأنه حفظ المنطق الأرسطي وغاب عنه المنطق العربي.
وهناك أبيات مشهورة للشاعر عمار الكلبي تترجم هذه الخصومة وتعبر عن جوهر هذا الصراع بقوة وبراعة منقطعة النظير. يقول عمار الكلبي وقد عاب أحد النحاة بيتا من شعره.
ماذا لقينا من المستعربين ومن
قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا
إن قلت قافية بكرا يكون بها
بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا
قالوا لحنت وهذا ليس منتصبا
وذاك خفض وهذا ليس يرتفع
وحرضوا بين عبد الله من حمق
وبين زيد فطال الضرب والوجع
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم
وبين قوم على إعرابهم طبعوا
ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا
ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
لأن أرضي أرض لا تشب بها
نار المجوس ولا تبنى بها البيع
تصور هذه الأبيات، ببراعة، عمق الخلاف بين الطرفين: الشعراء قوم مطبوعون على فصاحتهم، والنحاة قوم متطبعون يحتالون لمنطقهم، الشاعر عربي الدم نشأ في أرض عربية غير أعجمية لا تشب بها نار المجوس ولا تبنى البيع (إشارة إلى صراع الثقافتين)، «الشاعر يتكفل بحياة اللغة وديمومتها، والنحوي يريد السيطرة على اللغة ولا يستطيع ملاحقتها في تدفقها المستمر، فيسعى إلى تجميدها وإمساكها على وضع لا يتغير، الشاعر يبحث عن مطالبه والنحوي يبحث عن مطالبه، وهي مطالب لا يتم بينها اللقاء.»
37
وهذه هي المغالطة النحوية المتأصلة منذ البداية، والتي جمدت اللغة وشلت حركتها: قلب الأوضاع، وضع العربة أمام الحصان، رفع المعيارية على الوصفية.