7
يسير الزمن فتتغير حاجات الناطقين باللغة، وتتبدل الأجيال والأحوال، وأشكال الحياة وأنماط التفكير وأدوات العمل ووسائط المعلومات، تتغير اللغة بتغير الحياة، تتغير الأشياء وغطاؤها الرمزي. (1) أسباب التغير اللغوي (1-1) مبدأ الاقتصاد
من أسباب تغير اللغة مبدأ الاقتصاد في الجهد، أي ميل الناطقين إلى التعبير المفيد بأقل مبذول من الطاقة، مثال ذلك التخلص من الهمزة في لهجة قبائل الحجاز وفي معظم اللهجات العربية الحديثة، وانكماش «الأصوات المركبة»
Diphthong ، فتحول نطق «يوم» إلى «يوم»، و«نوم» إلى «نوم»، و«بيت» إلى «بيت»، و«عين» إلى «عين»، واندثار الأصوات الأسنانية (الثاء والذال والظاء) في بعض اللهجات العربية الحديثة، والقضاء على التفريعات الكثيرة والأنواع المختلفة للظاهرة الواحدة في داخل اللغة، مثال ذلك الاكتفاء بالتاء كعلامة تأنيث والاستغناء بها عن الألف المقصورة (فنقول: سلمه، عدوه، فتوه، بلدا من: سلمى، عدوى، فتوى) وعن الألف الممدودة (فنقول: حمره، صحره، شقره، بدلا من: حمراء، صحراء، شقراء).
يشير فراي إلى أن ما درج على تسميته بالأغلاط في الاستعمال اللغوي العادي ما هو إلا محاولة لتبسيط التنظيم اللغوي، باتجاه الانتفاع إلى أقصى حد من المجهود الذي يقوم به متكلم اللغة، من حيث الإنتاج اللغوي، فينم الاستعمال اللغوي عن حاجة ثابتة إلى الاختصار اللغوي والدقة في التعابير والتناسب المنطقي في التركيب
8 ... (1-2) مبدأ القياس
القياس هو أهم الآليات الضالعة في إحداث التغيرات اللغوية، ويعني «القياس»
Analogy
في اللغة ارتجال ما لم نسمعه قياسا على ما سمعناه، أو ابتكار كلمة أو تصريف من عندنا بالقياس على ما لدينا من كلمات أو تصريفات تشبهه، ويدخل القياس ضمن مبدأ «الاقتصاد» في المجهود وتخفيف العبء على الذاكرة، من خلال الحمل على الشائع المطرد وإقصاء الصيغ النادرة الشاذة وإعادة صياغتها على القاعدة المطردة؛ فتزول الاختلافات وتتوحد الظاهرة ويجري المختلف مجرى المؤتلف
Leveling .
مثال ذلك أن الأفعال الشاذة الأنجلو سكسونية قد خضعت لتأثير القياس على المطرد في الألف سنة الماضية، من ذلك أن الفعل (Help) Helpen
كان يصرف إلى الماضي
healp
والتصريف الثالث
Holpen ، ولكن بحلول القرن الرابع عشر كان هذا الفعل منتظما على القاعدة المطردة للأفعال الإنجليزية (
Help، Helped، Helped )، وفي الحقبة الإنجليزية الوسيطة المبكرة تم انتظام أكثر من أربعين فعلا بنفس الطريقة (شاملة)
Walk، Climb، Burn & Step ، على أن عوامل اجتماعية من قبيل نشأة اللغة القياسية وتطور الطباعة قد أبطأت من عملية التغير؛ ولذا فما زالت الإنجليزية الحديثة اليوم تضم الكثير من الأفعال الشاذة، وإن كنا نصادف القياس وهو يعمل عمله عندما نسمع الناس تستخدم «القياس الخاطئ»
False analogy
في مثل كلمة
Knowed ، وعندما نسمع الأطفال وهم يتعلمون اللغة يجربون صيغة مثل
Goned ... إلخ.
9
حين يحدث القياس الخاطئ ثم يشيع ويدخل في متن اللغة يحدث التغير ثم يستتب، مثال ذلك في العربية أن كلمة «سراويل»، وهي للمفرد في الفارسية، تشبه صيغة من صيغ الجمع في العربية (فعاليل) فأخذ العرب يقيسونها على تلك الصيغة ويشتقون لها مفردا قياسا على ذلك الجمع، فيقولون «سروال»،
10
ومثل ذلك بالضبط ما حدث في الكلمة اليونانية
Paradeisos
فإنها مفرد، غير أن مشابهتها للجمع (فعاليل) جعل العرب يشتقون منها مفردا، هو «فردوس»، وكذلك كلمة «كرونوس»
Kronos
في اليونانية، والكلمة الألمانية
Groschen
التي دخلت العربية بطريق التركية، هاتان الكلمتان مفردتان في لغتيهما، غير أنهما تشابهتا في العربية مع صيغة الجمع «فعول» فاشتق منها مفردان جديدان هما: «قرن» (من الزمان)، و«قرش» (من القروش)،