29 (5) صراع بين ثقافتين
ويلك يا عمرو؛ إنك ألكن الفهم.
أبو عمرو بن العلاء
يقول د. لطفي عبد البديع في كتابه «عبقرية العربية»: «والدلالة اللغوية إنما تغاير الدلالة العقلية في أنها دلالة ذاتية على معنى أن اللغة تختضن دلالتها في كيانها ... والدلالة بعد ذلك لا تتم إلا بمخاطب ومتكلم يتواضعان على قدر مشترك من الفهم المبني على مسلمات بعينها، والمتكلم مهما أوتي من بيان عاجز عن أن ينقل إلى سامعيه ما يريد نقله إذا لم يكونوا على بينة مما يقول ... فكل لغة تئول إلى مسلمات تنزل منزلة القيم التي تضفي على الدلالات حجية يتعاطاها أبناء اللغة فيما بينهم وربما عزبت
30
عن سواهم.»
31
بدأ النحو على أيدي العرب، وانتهى في أيدي الموالي، كان النحو في بدايته الأولى عربيا خالصا، وكان النحاة الأوائل عربا، ومؤسس النحو أبو الأسود الدؤلي عربيا خالصا، وكان الغرض من النحو في الأصل، وهو ما كان ينبغي ألا يخرج عنه فهم النحو، وضع أسس للأعاجم ليتعلموا العربية، عساهم أن ينحوا «نحو» العرب في كلامها، ولم يقصد به أن يكون سلطانا على أهل العربية فيما ينطقون به، فهم في غنى عنه لأنهم يتلقون اللغة تلقيا أول (
First hand ) بحكم عيشهم فيها ومعاشرتهم لها. يروى أن رجلا من الموالي الفرس، هو سعد من أهل زندخال، سأله أبو الأسود: «ما لك يا سعد؟ لم لا تركب؟»، فقال له الرجل: «إن فرسي ضالع»، أراد ظالعا، فضحك بعض من حضره، فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا إخوة، فلو عملنا لهم الكلام، فوضع باب الفاعل والمفعول.
32
لم يكن الغرض من النحو وضع قواعد لتقييد اللغة؛ فقد كان واضعو النحو الأوائل على بينة من أن اللغة لا تقيد، اللغة في حياة مستمرة ونمو متصل ولا يمكن فرض قواعد جامدة على شيء حي متغير كاللغة، اللغة لا تقيد بل تواكب أو تلاحق وصفيا واستقرائيا فيما تتخذه هي من اطرادات خاصة بها .
ومنذ البداية ظهر لعلماء العربية إفلاس النحو، وشعروا بالبون الواسع بين اللغة والنحو لصعوبة السيطرة على اللغة بقوانين جامعة لأطرافها، أما أبو الأسود فوضع باب الفاعل والمفعول ولم يزد عليه، ثم جاء رجل من بني ليث فزاد في ذلك الكتاب ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه. وأما أبو عمرو بن العلاء فحين سئل أيدخل كلام العرب كله فيما وضعت مما سميته عربية؟ قال: لا، فلما سئل كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات. هذه الحيلة المنهجية ذاتها ... هذا التمييز بين النحو وما يخالفه هو بعينه ما يجعل المفارقة ظاهرة بين النحو واللغة؛ فاللغة باعتبارها ظاهرة متكاملة لا تقبل التمييز بين أطرافها.
33 «إلا أن النحو الذي ابتدأ عربيا خالصا من جهة المقولات الفكرية التي سيطرت عليه، انقلب به الأمر فانتصرت فيه ثقافة الأعاجم على ما عداها بما سيطر عليه من مقولات فكرية غريبة على طبيعة التفكير اللغوي العربي نفسه، وأريد به أن يكون سلطانا قائما على العربية والشعراء.»
34
وبعبارة أخرى فإن النحو لم يلبث أن انفصل عن اللغة وجعل يدرسها بفكر غريب عنها، واغترب عن مصدر الظاهرة اللغوية، وجعل يمتح من بئر أخرى!
كان اللقاء بين النحو واللغة بعد طبقة النحويين العرب الأوائل لقاء بين ثقافتين مختلفتين: الثقافة العربية التي تشربها العرب بالاتصال المباشر، وثقافة الأعاجم التي أخلص لها النحويون بطبيعة انتمائهم وكان أكثرهم من الموالي. وتؤرخ الخصومة بين موالي النحويين وبين الشعراء العرب للصراع بين هاتين الثقافتين. والخصومة بين الفرزدق الشاعر وعبد الله بن أبي إسحاق النحوي معروفة، فقد كان هذا النحوي يخطئ الفرزدق ويلحنه في أبياته، والفرزدق يهجوه ويعنفه بشعر وأقوال شهيرة، نجتزئ منها ما يلي لدلالته على جوهر الخصومة: