تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32

والآن هل يصمد هذا النقد حين نضع أنفسنا مكان هؤلاء النحاة ونحمل همومهم التي حملوها؟ لقد حاولوا الحفاظ على جوهر العربية ولبابها ليفهموا بها القرآن وينقذوا الأصل المهدد بالضياع، وليعربوا بعد ذلك ألفاظ الحضارة ما شاءوا، ويصبغوها بالصبغة العربية ما داموا قد استخلصوا هذه الصبغة نقية صحيحة. لقد كان همهم أن يتداركوا العربية في ألسنة الخلص قبل أن تغيرها الحضارة بترقيق وسعة. يقول الأستاذ أمين الخولي «إنهم كانوا يجمعونها ليجنبوها هذا الترقيق والتوسيع، ثم لا عليهم بعد ذلك أن يعربوا هم أو غيرهم فيقدموا للحياة حاجاتها، ويضيفوا إلى جانب الفصيح الأصيل، الذي حفظ جوهر العربية وروحها، ما عربوه هم فأكسبوه تلك الروح العربية، وأعطوه الصورة العربية، بعد أن عرفوا هذا كله واستشفوه مما جمعوه من خالص العربية في لسان خلص أهلها، وهم لم يضيعوا بهذا التعريب ولا بجمع الألفاظ الجديدة قاعدتهم الأولى التي رسموها لأنفسهم قط، بل لو أخذوا من أول الأمر عن القبائل التي اختلطت بالعجم لأنهم على الأقل أولى من العجم الصرف الذين عربوا عنهم؛ لو فعلوا ذلك لأضاعوا جوهر العربية وطابعها الذي يبغون الاحتفاظ به؛ لاعتبارات دينية واجتماعية؛ إذ سيكون ما جمعوه من هذا الخليط ليس هو العربية التي عرفها شعرهم المأثور وفنهم الموحي.»

33

هكذا يكون الفهم الحقيقي لتاريخ الأفكار، ف «التعريب» غير «العجمة»: التعريب يتناول اللفظة الأعجمية ويعلمها العربية! العربية التي أنقذت وحفظت وصينت بفضل الأخذ عن العرب الخلص، «وهل كانوا يعربون قبل أن يعرفوا طابع العربية الصميم الذي يريدون إضفاءه على الكلم الأجنبية؟! لقد كان القوم أيقاظا لما يفعلون، وقد بينوه وأوضحوه بمثل ما قال ابني جني في الخصائص عن ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر،

34

وزاده إيضاحا بقوله في موضع آخر من كتابه هذا: إن أهل الحضر يتظاهرون بينهم بأنهم تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى العربية الفصيحة، فهم يخلون بالفصيحة عن قصد وعمد، ومع مثل هذه الحال لا يعمد القاصدون للظفر بجوهر العربية إلى مواطن الحضارة الواسعة، الرقيقة العبارة، ليأخذوا عنها العربية!»

35

أما مشكلة الثقة بالرواية اللغوية فيرى الأستاذ أمين الخولي أن الأقدمين عرضوا لها على نحو أدق وأوضح مما فعل المحدثون، وأفاضوا فيها، وتولوا الإجابة عن كل دقائقها وتفريعاتها، فنجد السيوطي يعقد لها فصولا في «المزهر»: كفصل معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت، وفصل معرفة المصنوع، وفصل معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات، وكلها في الجزء الأول، ثم فصل معرفة آداب اللغوي، وفصل من سئل من علماء العربية عن شيء فقال لا أدري، وفصل التحري في الرواية، والفرق بين مثله ونحوه، وفصل في كيفية العمل عند اختلاف الرواة، وفصول أخرى تتصل بالرواية اللغوية وضبطها، تقرؤها في الجزء الثاني من المزهر أيضا، «ولا معنى بعد ذلك لإيراد النقد مبتورا، والاحتجاج به إيرادا واستشكالا، مع تجاهل نفضه وإبطاله، والتغافل عما هناك من الدلالة المسهبة على التحري الممكن في الرواية.»

36 (9) خلاصة القصة

37

يرى الأستاذ أمين الخولي أن «هذه اللغة العربية لم نتلقها التلقي المباشر المشافه الممارس، كما يتلقى الوارث الرشيد تركة من سلفه، كان قد شاركه في التدبير لها والخبرة بها، بل تلقيناها تلقيا غير مباشر ولا مشافه ولا ممارس، كما يتلقى الوارث المحجور الصغير السن تركة من سلف له، ما شاركه قبل في أمرها ولا اكتسب شيئا من الخبرة بها قبل الانفراد؛ فأصبح وليس هو صاحب اليد عليها ولا الكلمة فيها، بل الأمر في ذلك ل «وصي» أقيم، وولي أنيب، فهو الذي يدبر أمرها: يؤجر ويبيع ويشتري ويرهن، ولن تخلص تلك التركة إلى وارثها إلا على حال لا عمل له فيها، ولا ذنب له في سوئها، ثم لا يد له بإصلاح أمرها في يسر وسهولة، إن حاول تخليصها مما قيدت به أو أدينت أو عطلت. (1)

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٢