تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخرجة الكبرى: عاشت هذه اللغة في مهدها من الجزيرة العربية ما عاشت من الزمن وشملها جميع، في عزة من أهلها، حتى كانت الخرجة الكبرى والهجرة البعيدة المدى التي دفعهم إليها الإسلام لنشر دعوته وإقامة دولته، فخرجت اللغة مع آلاف أهلها الذين خرجوا إلى المشرق القديم وأقصى المغرب المعروف. (2)

التذويب: تفرقت اللغة مع الخارجين أوزاعا

38

ومزقا، فما كانوا وكانت إلا كالشعرة أو الشعرات البيضاء في الثور الأسود، وكأنما ذوبوا في هذه الدماء والألسنة والأجناس التي خالطوها؛ وجعلت هذه العربية تتفاعل مع ما خالطت من لغات، فلا تعطي فقط بل كانت تأخذ كذلك، هذا التذويب في المزج الذي صادفه أهلها في الواسع الفسيح من أقطار الأرض حري بأن يخفف من كثافة مادتها وقوة تماسكها، ويخلخل نسيجها منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها، فيدخل عليها الضعف والوهن في صوغها وتركيبها وبيانها. (3)

استشعار الخطر والتنادي للجمع: لم يغفل أهل العربية منذ أول الأمر عن هذا الأثر، بل هالهم أمره، فهبوا يحاولون أن يحفظوا على العربية تماسكها ويوقوها التخلخل والتحلل، ليظل لها من القوام ما تهدي به إلى مراد الدين وغرض القرآن ومقصد الشرع، جدوا ليخلصوا جوهر العربية ويصفوا معدنها، فالتمسوا ذلك عند العرب الخلص لا عند من ديف (خلط) بالعجمة؛ فخرجوا إلى البادية واستقدموا من أهلها إلى الحواضر ليلقنوهم ما عندهم وليتلقوا منهم بالممارسة المشافهة التي هي أسلم الطرق في كسب اللغة الحية، وجمعوا ما شاء الله لهم وشاء لهم النشاط الجاد أن يجمعوا، وأيقنوا في الوقت نفسه أن ما ضاع عليهم وأفلت من يدهم كثير بعد ما أمسكوا وحفظوا، ولكن لا حيلة. (4)

نفاد الرواية والتحول إلى المدارسة والتقعيد: ولما عزت الممارسة اللغوية والتلقي المباشر عن مشافهة فزعوا إلى الطريقة الثانية، وهي المدارسة وكسب اللغة بالتعلم، وهي طريقة تحتاج إلى القواعد والأصول والضوابط، فاستقرءوا من مجموعهم في اللغة ما استقرءوا، واقتبسوا مما حولهم ما اقتبسوا، حتى قرروا من أصولها ما قرروا، وكان علم العربية أو علومها المختلفة العدد على الزمن. (5)

التركة المثقلة: وفي هذه المقررات ومن تلك القواعد نتلمس مواطن الداء ومواضع الوهن، إذا ما فحصنا تلك العلوم واختبرنا تلك المقررات؛ لأنها هي سجلات الالتزامات والتصرفات التي أحدثها ذلك القيم (الوصي) خلال الدهر الطويل، فقيد التركة وأسلمها إلى الخالفين مثقلة بما تم، وتناقلوها جيلا بعد جيل على هذه الحال، ومع تلك القيود والارتباطات التي مهما تفترض فيها حسن النية وطلب المنفعة فإنك لن تضمن تحقق ذلك دائما؛ لأن المستوى العقلي والحياة الفكرية والخبرة العلمية لأولئك القوام المتصرفين لم تكن لتسبق زمنهم وتتقدم دهرهم، والإخلاص وحده لا يكفي في هذا ولا يغني، ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان.»

39

الفصل الثاني

| الخلط بين مستوى الشعر ومستوى النثر

الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن، الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه.

عبد الله بن عباس رضي الله عنه

الشعر لغة خاصة، الشعر حيود عن اللغة السوية بغية التأثير الاستطيقي (الجمالي الفني):

للشعر نظامه الموسيقي، هو الأوزان والقوافي التي استخلصها الخليل بن أحمد بدقة متناهية وعبقرية نادرة.

للشعر، غالبا، ألفاظ معينة يؤثرها على غيرها، ويأبى التنازل عنها إلى الألفاظ الشائعة المبذولة في مداولات الحياة العادية، ربما لكي يتخلص من مناخات الحياة العادية التماسا لمناخات الفن.

1

الشعر عاطفة وخيال وليس مجرد فكرة وخبر، يرمي الشعر إلى إيصال «تجربة»، لا مجرد «معرفة» عن التجربة.

يستخدم الشعر المجاز والصور، وينفر من التحديد والمباشرة، وينتحي إلى الإيحاءات وظلال المعاني (

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٣