تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

ثم ينتقل إلى كثرة الدوران على الألسنة كمعيار للفصيح فيقول: «إنه حكم غير علمي، فقد كان المفروض أن ما كان بلسان عربي أو بلغة قريش أو ورد في نصوص أدبية عالية أي الذي يمثل اللغة النموذجية هو الفصيح، أما أن يعرف الفصيح بكثرة دورانه على الألسنة فقد يكون لغة العامة، أو لغة قبائل غير قرشية.»

24

ويرى د. زهران أن الأخذ عن العربي دون المولد فيه مجافاة للمنهج العلمي، أما المنهج الأمثل فهو «أن تدرس اللغة دراسة مستويات، فليعد العربي مستوى من مستويات الدراسة، ويعد المولد مستويات الدراسة، فلو اتبع مثل هذا المنهج في الدراسة، ودرست كل لهجة دراسة مستقلة، ودرس كل مستوى من مستويات اللغة دراسة مستقلة؛ لكان ذلك معينا على فهم أساليب العربية وما فيها من أسرار، وكان ذلك أيضا وسيلة للتفريق بين شعراء، وأدباء كل بيئة، بالإضافة إلى هذا، فإن ذلك كان سيحدد طريقة الاستعمال؛ فمستعمل اللغة سوف يرتبط بمستوى معين من مستويات الأداء اللغوية؛ أما والحال هكذا فعلى حد تعبير حفني ناصف فأي لفظ نطقت به فأنت مصيب، وأي استعمال جريت عليه فلست بمخطئ ما دمت لم تخرج عن المنقول.»

25

وعن خلط اللهجات يقول د. زهران: «لا شك أن هذا الخلط في المستويات اللغوية وبين اللهجات المختلفة لا يقره العرف اللغوي، فضلا عن مجافاته لروح البحث العلمي، ولك أن تتصور شخصا يحدثك بعامية أهل مصر وبعامية المغرب والشام والعراق في آن واحد دون أن يلتزم خصائص مستقلة للهجة واحدة (من حيث النطق والمفردات والتراكيب ...) هل يمكنك متابعة حديثه وفهمه؟! إنه الخلط الذي لا تعترف به أية جماعة لغوية، ولا يقره أي منهج.»

26

ويرى د. زهران أن اللغويين «كان يجب عليهم بعد الفراغ من دراستهم لتلك المرحلة ألا يدوروا حول أنفسهم فيها، وإنما يدرسوا ويوصوا بمتابعة الدراسات المتعاقبة ويتتبعوا الظواهر المتغيرة في كل أوضاعها على مر العصور وفي مختلف البيئات، فلو أنهم رصدوا حركات التطور لأفادوا اللغة التي حاولوا المحافظة عليها، بالإضافة إلى أنهم كانوا ربما اهتدوا إلى معرفة قوانين التطور وإلى تسخيرها لمصلحة اللغة (غير واقفين في وجه سننها) ... وبذلك يكون علاجهم لها علاجا مبنيا على أسس علمية.»

27 (8) إنصاف وتفهم

أن تفهم شيئا لا يعني أن تقره أو تبرره، وأن تفهم شخصا لا يعني أن تسوغ عمله وتبتلع أخطاءه، بل أن تتمكن من أن تضع نفسك مكانه، وترى الأمور من زاويته، وتدرك العالم من منظوره، أن «تقايضه المواقع في المخيلة»

28

أو كما يقول الإنجليز «تضع قدمك في حذائه»، أن «تواجده»

Empathize

أي تتمثل وجداناته، وتنفذ إلى خبرته، وتجد ما يجد، «وعسير بلوغ هاتيك جدا» باستعارة شطر ابن الرومي.

لكي نفهم النحاة ونتفهم موقفهم لا بد لنا من أن نعي قضيتهم الملحة وسياقهم التاريخي، لقد عاشوا في زمن لا يسعف بتقنيات ولا بمنهج علمي متطور، وواجهوا، كما يقول الشيخ أمين الخولي، «أزمة اجتماعية لغوية هددت العربية؛ فسارعوا إلى جمعها كما أمكن وكما لم يكن يمكن سواه، بجهد مشكور قدره الناقدون قبل تقدمهم بهذا النقد المتبغدد.»

29

ويتلخص هذا النقد في بدائية عملهم في الجمع،

30

وفي اقتصارهم على قبائل «موثقة» من العرب الخلص، فكانت الحصيلة لغة ثرية في ألفاظ البداوة، فقيرة في ألفاظ الحضارة؛ مما اضطرهم، أو غيرهم، في العصر العباسي إلى التعريب

31 «بعد أن أعرضوا عنه؛ نزولا على حكم الطبيعة وتطور العمران، وخلطوا ما أخذوه عن القبائل بما عربوه عن الأمم المتمدنة، فأضاعوا بذلك القاعدة الأولى التي رسموها لأنفسهم وهي الأخذ عن العرب الخلص فقط، ولو كانوا أدركوا هذه النتيجة لسمحوا لأنفسهم من أول الأمر بالأخذ عن القبائل التي اختلطت بالعجم؛ فهم على الأقل أولى من العجم الصرف الذين عربوا عنهم.»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١١