تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29 (5-3) في مجال التعليم باللغة «لا توجد لغة يمكن أن تتهم - في ذاتها - بالقصور أو العجز؛ لأن أي لغة، على حد تعبير هلمسليف، «تملك القوة الكامنة للتعبير عن الحاجات الضرورية لأي حضارة ... بمعنى أنه لا توجد لغة يمكن أن يقال عنها إنها بدائية، أو إنها ناقصة التكوين.»

30

وليس هناك معنى لأن نقول: إن العربية عاجزة عن نقل العلوم بينما نحن لا نستخدمها في نقل العلوم ! فاللغة لا تنمو في فراغ، وإنما تنمو نتيجة نمو أصحابها، وتزداد ثروتها اللغوية بازدياد خبرات أهلها وتجاربهم، والدراسة النظرية وحدها لا تخلق لغة، وإنما يخلقها الاستخدام والممارسة، وربطها باحتياجات أهلها وخبراتهم وحياتهم العلمية واليومية.»

31

وقد أثبتت العربية قديما، وهي قريبة عهد بالبداوة وحياة الصحراء، قدرتها الهائلة على نقل العلوم والفلسفات وهضمها والإضافة إليها، وكم بالحري أن تكون قادرة اليوم على نقل العلوم بعد كل ما اكتسبته واختزنته، والعود أحمد. (6) الفرصة السانحة

مما يدعو للاستبشار ويجعل الإصلاح المنشود أمرا ممكنا أننا في كدحنا الإصلاحي المقترح إنما تظاهرنا قوة عارمة لم تكن تخطر ببال أحد من السلف: العولمة، وقوى العولمة وبخاصة وسائط الاتصال. من شأن هذا الاندماج الجديد أن يعكس السنن القديمة للتطور اللغوي! فلم تعد هناك «عزلة» تسبب انشعاب اللغة إلى لهجات ثم تبلور اللهجات إلى لغات منفصلة. تؤدي قوى العولمة على العكس إلى تقريب اللهجات ثم توحيدها في النهاية، ويبقى أن نسخر ذلك لخدمة فصحى جديدة تنشرها الفضائيات وتلقيها على سمع الناس بكرة وعشيا، فصحى قريبة من عقول الناس وقلوبهم، ومعايشة لعصرهم وجيلهم، ومترجمة لشئونهم وشجونهم، فصحى تسترفد العامية والأجنبية ولا تنفصل عنهما تمام الانفصال، فصحى يستعرب فيها كل جديد ابتلعته وهضمته وأحالته إلى كيانها وبنيتها، فصحى جديدة نتآزر جميعا على تأسيسها كما أسس دانتي الإيطالية، غير أنها لا تعزب عن فصحى التراث لأنها امتداد لعربية أصيلة تتطور من داخلها ولا تفقد جذرها الثلاثي أبدا، فصحى تفهمنا وتفهم حياتنا الجديدة العجيبة، ولا نزال نفهم بها حياة الأعشى والشنفري وتأبط شرا!

| تذييل

مقدمة كتاب: تجديد لا تبديد

1

بقلم د. عادل مصطفى

العربية في أزمة؛ يجفوها أهلها ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها.

العربية على فراش المرض، تعاني من تضخم في القواعد والأصول، وفقر في المصطلح، وعجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر.

الداء واضح للعيان، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه، فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة.

وقد رأيت الناس في هذا الأمر واحدا من اثنين: إما كاره للعربية بطبيعته ومستصعب بها وراغب في أن يسمع نعيها في أسرع وقت، وإما متزمت يريد أن يحنطها كما هي ويقف بها حيث وقف الأسلاف منذ أكثر من ألف عام، وفي الكتاب الذي بين يديك يخط الدكتور سليمان جبران طريقا ثالثا أكثر واقعية وحصافة ونبلا.

هذا الحزب الثاني، حزب الغلاة الغيورين المحافظين، ليس بعيدا في مآله عن الأول: يوشك تنطعهم القائم على أساس مغلوط ومصادرات باطلة أن يترك مركب اللغة يغرق بحمله، وتوشك العربية في قبضتهم المتشنجة أن تموت اختناقا.

ينسى المحافظون، هواة قل ولا تقل، أن اللغة ليست كيانا كلسيا نهائيا، إنما اللغة في سيولة دائمة، وفي تحول دائب وإن كان بطيئا لا يكاد يدرك إلا بمر العقود أو القرون. علوم اللغة كانت تقعيدا للغة في لحظة زمنية معينة، وفي لحظة أخرى ينبغي أن تكون هناك علوم أخرى.

ينسى هؤلاء أن اللغة في سيرورتها في الزمان تعتريها تغيرات كثيرة: منها التغير الصوتي والتغير النحوي والتغير الدلالي أو «السيمانتي».

2 (1) العربية لا هي عاجزة ولا معجزة

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٠٨