يقوم الدرس اللغوي العربي على مصادرة نهائية، سواء صرح بها أو لم يصرح، مفادها أن اللغة البشرية هبطت من السماء، وظهرت فجأة، بطريقة إعجازية خارقة، في لحظة زمنية واحدة، مستوية مكتملة، كما ولدت منرفا من رأس زيوس! اللغة عند هؤلاء هي «توقيف» أو وحي أو إلهام من الله، وحتى القلة من اللغويين العرب التي ذهب إلى أن اللغة «اصطلاح» أو عرف أو تواضع بين ثلة من الحكماء (من البشر أو غير البشر)؛ حتى هذه القلة
3
لا تحيد كثيرا عن فكرة التوقيف في صميمها ولبابها: فاللغة، بعد كل شيء، هي كيان نهائي ثابت محكم، خلاب الصورة مذهل البنيان، أتى بتدبير مدبر وفعل فاعل.
لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة التاريخية من تطوره، لحظة تأسيس علوم اللغة، لم يكن قد تخلص بعد من آثار الشفاهية والبدائية وسذاجة الطفولة البشرية، كان عقلا قديما يهيمن عليه «باردايم»
4
قديم بائد، وما يزال يتلقط رواية من هنا وأسطورة من هناك يسد بها الثغرة وينفي الحيرة. وكان التاريخ عنده لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، ومن ثم لم يكن بوسع الإنسان في هذا التاريخ المقزم أن يصنع شيئا هائلا كاللغة؛ من هنا تنفذ الأسطورة وتستوي وتتربع.
وجه الأمر أن كفاح الإنسان على الأرض بدأ منذ ملايين السنين، كما تدلنا علوم الأنثروبولوجيا والجيولوجيا، وأن اللغة ظاهرة اجتماعية نشأت على رسلها كنتيجة حتمية للحياة في جماعة أفرادها يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ وسيلة للتواصل والتعبير وتبادل الأفكار والخواطر، اللغة ظاهرة اجتماعية تظهر بظهور المجتمع وتتأثر بعاداته وتقاليده وطرائق سلوكه وتفكيره، وتخضع لسنن التطور الذي يخضع لها المجتمع، فترتقي بارتقائه وتنحط بانحطاطه.
لم يكن العرب نسيج وحدهم حين نسبوا لغتهم إلى قوة عليا خارقة وأضفوا عليها صفة الكمال وقالوا بأسبقيتها على بقية اللغات وبأفضليتها على سواها وباستحالة البيان بأي لغة أخرى، تلك هي «مركزية العرق» أو «المركزية الإثنية»
Ethnocentrism
التي تسم كل المجتمعات البشرية، وبخاصة في مراحل تطورها الأولى، وتحمل كل شعب على أن يغلو ويتشدد في أية عناصر يجدها خاصة به وحده ومميزة له عن الآخرين: جماعتنا هي الصواب وغيرها الخطأ ... هي الحق وغيرها الباطل.
الحق أن جميع الثقافات القديمة ذهبت إلى أن لغتها كانت هي اللغة الأولى، وكانت من صنع الآلهة، وكانت أفضل اللغات. يقول جالينوس: «لغة اليونانيين هي أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع»، وقد ذهب المصريون القدماء إلى أن اللغة الأولى هي اللغة المصرية، وأن أسلافهم الآلهة قد أنعموا بها على أهل مصر القديمة،
5
وكما قال أول فرعون مصري بإحضار اللغة للإنسان، كذلك قام الإمبراطور الصيني تين تسو، ابن السماء، بفعل الشيء نفسه. أما في اليابان فقد كانت الإلهة إماتراسو، إلهة الشمس، هي خالقة الإنسان ولغته، بينما قام إنليل بهذا الدور في الشرق الأوسط،
6
وقد ادعى اليهود أن لغة الرب ولغة الملائكة هي العبرية، وأن أول شيء كتب على صفحة السماء السابعة بيد الله هو حروف هذه اللغة، كما ادعى الفرس أن لغتهم ستكون لغة التخاطب في الجنة، وقبلهم قال السريان إن لغة أهل الجنة ولغة الحساب في الآخرة هي السريانية.
7
ليست العربية أم اللغات، ولا هي لغة مقدسة لا تتغير ولا تتبدل، ومثل هذه الدعاوى المتعصبة لا تخدم اللغة في شيء، بل تؤدي إلى جمودها وموتها، ومن جهة أخرى ليست العربية عاجزة، والحق أنه ليست هناك لغة عاجزة، وليس هناك معنى لقولك: «اللغة س عاجزة»، إنما العجز صفة لأصحاب اللغة، فاللغة مرآة أصحابها كيفما كانوا، وأنت حين تقول: «اللغة س عاجزة» تقع في «خطأ مقولي»
Category Mistake
خفي وتصف الأشياء بما لا توصف به. والصواب أن تقول «الجماعة ص عاجزة لغويا في اللحظة ن»، فإذا ما شب هؤلاء عن الطوق وأرادوا أن يرتقوا بقدراتهم الاتصالية والتعبيرية فلن يعجزهم هنالك أن يجدوا الغطاء الرمزي اللازم، ستواكبهم لغتهم في تطورهم وترتقي بارتقائهم، وليست العربية فاشلة في نقل العلوم، وإنما نحن من تحكمنا عقدة الفشل فنتردد في التعريب ونتهيب التجربة ونسوفها، لتبقى العربية في مجال العلوم ضامرة هزيلة، وتحقق النبوءة ذاتها: «العربية عاجزة عن نقل العلوم». (2) الترادف، غنى أم ثرثرة؟