تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

ويحدثنا المازني عن الأسئلة التي كانت توجه إليه في الامتحانات الشفهية فيقول: «وشرع يسألني عن كلمة (العدوان) ما فعلها الثلاثي؟ ولماذا يقال اعتديا بفتح الدال للماضي واعتديا بكسرها للأمر؟ فلم أعرف لهذا جوابا؛ فقلت هكذا نطق العرب وعنهم أخذنا. فألح في طلب الجواب المرضي؛ فقلت إن اللغة نشأت قبل القواعد، وأنا أنطق وأكتب وأقرأ كما كان العرب يفعلون من غير أن يعرفوا قاعدة أو حكما، فساءه جوابي ونهرني ...» ويقترح المازني أن تحل قراءة الأدب العربي محل النحو، وأن يتم وضع مختارات صالحة لكل سن، وإذا كان لا بد من النحو فليكن ذلك عرضا وأثناء القراءة وعلى سبيل الشرح وللاستعانة به على الفهم، وعلى ألا يكون ذلك درسا مستقلا يؤدى فيه امتحان. وينتقل المازني إلى نقد طريقة تدريس العربية فيقول: «أما الطريقة التي يتعلم بها أبناؤنا العربية فإني أراها مقلوبة لأنها تبدأ بما يجب الانتهاء إليه.» ويعلق على طريقته المقترحة فيقول: «والطريقة التي أشير بها تجعل العربية سليقة على خلاف ما هو حاصل الآن، فإن أبناءنا يتعلمون العربية كما يتعلمون الإنجليزية أو أية لغة أجنبية أخرى لا يشعرون بصلة بينها وبين نفوسهم، وكثيرا ما يتفق أن يخرج التلميذ وهو أعرف باللغة الأجنبية منه بالعربية، وليس بعد هذا فشل والعياذ بالله.»

27

تعليم اللغة باستعمالها. تماما مثلما يتعلم الطفل لغة الحياة، وهي تطرق سمعه آناء الليل وأطراف النهار فيقلدها ويحاكيها، وكم ذا يقع في التعثر و«القياس الخاطئ» فيقوم بإعادة الصواب على سمعه وليس بتلقينه قاعدة صماء، وهكذا ينبغي أن يكون تعليم العربية بالمدارس: أن يقرأ التلميذ ويقرأ، ويسمع ويستمع، ويجول مستطلعا دهشا في النصوص الشائقة الممتعة. أن يبدأ بكل ما هو وظيفي تطبيقي عملي، ثم تأتي القواعد والأصول في المحل الثاني، ويأتي التنظير والحكمة في المرحلة الآخرة (مثل بومة منرفا لا تشرع في التحليق إلا عندما يحل الغسق)، هكذا تواتيه القاعدة وتسقط في يده كتفاحة ناضجة، فيراها بعينيه بعد أن كان يراها بأشواقه. «معرفة أن» و«معرفة كيف»

ثمة تمييز شهير في نظرية المعرفة بين «معرفة أن»

Knowing that

و«معرفة كيف»

Knowing how ، «فأن نعرف كيف نقود سيارة أو كيف نخبز كعكة الأناناس المقلوبة، أو كيف نقف على أيدينا؛ تلك معرفة كيف، أو المعرفة كمهارة أو مقدرة، ونحن عادة ما نعجز عن أن نعبر عنها بالألفاظ، فمثل تلك المعرفة تعلم بالتمثيل لا بالكلام، ويطلق على المعرفة حين نعني بها «معرفة أن» اسم «معرفة قضوية»

Propositional Knowledge ، ومن المفترض عامة أن المعرفة القضوية يمكن أن يعبر عنها لفظيا تعبيرا تاما، بعكس «معرفة كيف».»

28

وفي ضوء هذا التمييز الإبستمولوجي بين «معرفة أن» و«معرفة كيف»، يمكننا أن نقول بحسم: إن معرفة اللغة تنتمي إلى مقولة «معرفة كيف» أكثر مما تنتمي إلى «معرفة أن»: فتعليم اللغة ليس عرضا لكم من المعلومات أو القضايا

Propositions ، ولكنه بالدرجة الأولى «مهارة». وإن تعليم النحو، كما يقول د. أحمد مختار عمر، لا يتحقق إلا إذا حول القاعدة إلى مهارة، ومكن الدارس من استعمال العبارات استعمالا سليما دون تفكير أو وعي بالقاعدة. وقد جاء عن ابن خلدون في «المقدمة» ما يشير إلى التفاته لهذه المسألة، وسبقه في كل ما هو تحليلي علمي. يقول ابن خلدون في الفصل الخمسين المعنون «في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربي ومستغنية عنها في التعليم»: «والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية (أي هو معلومات عن الطريقة وليس الطريقة نفسها)، فليست نفس الملكة وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا مثل أن يقول بصير بالخياطة غير محكم لملكتها: الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الإبرة ثم يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها قدام منفذها الأول بمطرح ما بين الثقبين الأولين، ثم يتمادى على ذلك إلى آخر العمل ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها، وهو إذا طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا، وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب، فيقول هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر قبالتك ممسك بطرفه الآخر، وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ما مرت عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة، وهو لو طولب بهذا العمل أو شيء منه لم يحكمه، وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل؛ ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده؛ أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن.»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٠٧