وسأضرب مثالين على هذا اللحاء الثقيل الذي يمكن للطالب المبتدئ أن يستغني عنه دون أن يفوته شيء من زبدة العربية أو من منطق العرب:
أسلوب التعجب: من قبيل «ما أجمل السماء».
21
الإعراب القياسي الحالي:
ما: نكرة تامة بمعنى شيء عظيم.
أجمل: فعل ماض/جامد/مبني على الفتح/فاعله مستتر/وجوبا/تقديره هو/يعود على «ما».
السماء: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
يكفي هنا، كما يقول د. أحمد مختار عمر، أن يعرف الطالب شيئين: (1)
أن هذا الأسلوب يبدأ ب «ما» متلوة بكلمة على وزن «أفعل» يليها المتعجب منه. (2)
أن الكلمة التي على وزن أفعل، والمتعجب منه يكونان دائما منصوبين، (مع التجاوز عن أن الفتحة الأولى عند النحاة فتحة بناء والثانية فتحة إعراب؛ لأنه لا أثر لذلك في تصحيح النطق أو تقويم اللسان).
22
أسلوب لا سيما: مثل: «أكثروا من الضحك لا سيما خالد.»
في «تجديد النحو» يقول د. شوقي ضيف: «تكلف النحاة في إعراب صيغة لا سيما صورا كثيرة من التكلف البعيد، فقد ذهب أبو علي الفارسي إلى أن «سي» حال، وذهب ابن هشام في كتابه المغني إلى أن «لا» نافية للجنس، و«سي» اسمها، و«ما» زائدة، و«خالد» بعدها مضاف إلى سي مجرور، أو مرفوع على أنه خبر لمضمر محذوف أي «لا سيما هو خالد»، و«ما» حينئذ - إما موصولة وإما نكرة موصوفة بالجملة بعدها، وذهب بعض النحاة إلى أن «لا سيما» أداة استثناء وما بعدها منصوب. ويستخلص من هذه الآراء أن ما بعد «لا سيما» يمكن أن يكون مجرورا أو منصوبا أو مرفوعا، وإذن ففيم كل هذا العناء في الإعراب وما بعدها يجوز فيه الرفع والنصب والجر؟ طبيعي لذلك أن يلغى إعراب لا سيما من الكتاب».
23
وهكذا نختصر قاعدة لا سيما في كلمات أربع: «ما/بعد/لا سيما/مثلثة»
فلا يفوتنا شيء مما يتصل بالنطق العربي السليم،
24
وهكذا يتبين لنا أي نزيف للجهد يحيق بالطالب فيما لا طائل منه إلا النهج والدوار، وثأر لا شعوري من هذا العلم الثقيل وهذا الكتاب المضجر. (5-2) في مجال التعليم
توجز الدكتورة بنت الشاطئ أزمة تعليم العربية في فقرة مأثورة:
ليست عقدة الأزمة في اللغة ذاتها، العقدة فيما أتصور هي أن أبناءنا لا يتعلمون أن اللغة لسان أمة ولغة حياة، وإنما يتعلمونها بمعزل عن سليقتهم اللغوية، قواعد صنعة وقوالب صماء، تجهد المعلم تلقينا والتلميذ حفظا، دون أن تكسبه ذوق العربية ومنطقها وبيانها.
ويقول أ. إبراهيم اللبان عضو المجمع اللغوي: «... ويهمني أن أشير إلى حل خاص كرجل اشتغل بالتعليم في مصر وخارجها، وفي الشرق وفي إنجلترا: ذلك أن اللغة عادة؛ عادة لسانية، وعلماء النفس يقولون إن العادة تتكون بالتكرار؛ لذلك يجب أن يعاد النظر في أمر تعليم اللغة العربية، فهذا التعليم إذا اتجه إلى تكوين العادات المثالية بكل عناية أمكن تذليل الكثير من العقبات.» (مجلة المجمع، ج15، ص80)
وفي كتابه «مشكلة اللغة العربية» يقترح الأستاذ محمد عرفة إلغاء تعليم القواعد في المدارس الابتدائية، والتشديد على تعلم اللغة بالتكرار، والحفظ، والإكثار من المطالعة، وحفظ الكثير من أدب العرب.
25
وللأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني حديث شائق عن قصته مع النحو، يخلص منها إلى ضرورة تعليم اللغة كسليقة لا كعلم منفصل. والمازني من أساتذة النثر العربي في كل العصور، وهو شاعر أيضا ومؤسس مدرسة شعرية (مدرسة الديوان مع رفيقيه العقاد وشكري). يقول المازني: «كنت أقرأ ورقة الأسئلة (في الامتحان) وأترك النحو إلى آخر الوقت ثم أتناوله وأروح أجمع طائفة من الأمثلة أستخلص منها القاعدة فأجعل هذا جوابي. هذه كانت طريقتي، وقد استغنيت بها عن حفظ ما في كتب النحو، وأراني الآن أصبحت كاتبا، وكنت في زماني شاعرا كذلك، وقد وسعني هذا وذاك بغير معونة النحو!»