تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمة ندوب وبثور في وجه القاهرة والمدن الأخرى: لافتات وإعلانات وواجهات بالإنجليزية والعامية، لها أن تمهل للإزالة؛ حفاظا على الهوية القومية والذوق العام، ولسنا في ذلك بدعا بين الأمم.

لنشجع حفظ القرآن، بغض النظر عن الديانة وبمعزل عن المسألة الدينية، ونجعل لحفظته مزية كالتي لأبطال الرياضة في الشهادات العامة، وإن سلامة اللغة لمزية علمية كبيرة يحق لصاحبها، من أي ديانة، أن يتميز على أقرانه.

لنتوقف عن السخرية من العربية ومن أستاذ العربية في أفلامنا وإعلامنا، ماذا يضحكنا في ذلك؟ إنما يضحكنا جهلنا واغترابنا عن ذاتنا وخزينا في أنفسنا! إننا لفي غنى عن ضحكة تباع لنا بثمن باهظ، وإن مجال الضحك من بعد ذلك لممدود ذو سعة. (5) الاستعمال

وصفة شاملة للإصلاح اللغوي:

نريد لغة نستعملها لا لغة تستعملنا.

اللغة استعمال.

وهناك وجه شبه كبير بين اللغة والعملة التي يستعملها الناس في البيع والشراء (النقد/النقود)، فالنقود، كما لاحظ ماريوباي، لا تعدو أن تكون «رمزا» لقوة شرائية تواضع عليها الناس، ليس لورق النقود (أو معدنها) بحد ذاته قيمة تذكر بجانب قوتهما الشرائية، ومن ثم فالقيمة الحقيقية للنقود هي خاصة يسبغها عليها المجتمع الذي يتعامل بهذه العملة. وكذلك الأمر في اللغة: «فقيمة اللغة في التزام أهلها بها وبطريقتها في التعبير، ورواجها بينهم، وتداولها على ألسنتهم، واحترامهم لها، وثقتهم بها في حمل أفكارهم ومعتقداتهم والتعبير عن انفعالاتهم وعواطفهم.» وبالتالي فما من لغة إلا وهي قادرة على التعبير عن أية فكرة متى قامت في نفوس أصحابها، وليس هناك معنى لأن تكون لغة ما عاجزة عن التعبير عن أي معنى من المعاني متى قام هذا المعنى في نفوس المتكلمين بها، «فالفكرة متى قامت في ذهن الإنسان استطاع التعبير عنها بلغته إن كان متمكنا من هذه اللغة، وعاملا على رفعة شأنها.»

19

حياة اللغة أن تستعمل وموت اللغة ألا تستعمل ... الاستعمال يحيي ويميت.

مفتاح بسيط لمشكلة العربية، ولكنه عمومي شامل يسعفنا في مجال تقعيدها، وتعليمها، والتعلم بها. (5-1) في مجال التقعيد

التضخم علامة مرضية، هي دائما نتاج شيخوخة ونذير موت.

تضخم القوانين في التشريع،

وتضخم الطقوس في الديانة،

وتضخم القواعد في اللغة،

كلها تعبر عن ضمور الجوهر واللباب، وغلبة اللحاء والقشور،

وكلها دليل على الترهل والضعف،

وعبء على الحيوية،

وأذان بالزوال.

أسرف النحاة الأوائل في تضخيم قواعد اللغة وإثقالها بكل ما لا يفيد الاستعمال الحقيقي للغة: من حذف وتأويل وقياس واستتار وتقدير، فلا يخلص المرء إلى تعلم ما يفيده إلا وقد تعلم ما لا يفيده! يحكي الجاحظ أنه قال لأبي حسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟ قال الأخفش: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلت حاجاتهم إلي فيها ... وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى التكسب ذهبت،

20

وقد تفطن ابن مضاء القرطبي لهذه المأساة منذ ثمانية قرون، ودعا إلى دراسة اللغة كما ينطقها العرب، لا كما تخيلها النحاة.

لسنا نتنازل عن درهم من زبدة اللغة، وإنما نريد إزالة هذا اللحاء اليابس المتراكم الذي يخنقها ويثقل على حاملها فيصرفه عن قشرها ولبابها معا، ليبقى جاهلا بها أبد الدهر.

ليكن مبدؤنا في استخلاص القواعد: كيف نستعمل اللغة كما استعملها العرب وكيف نربي السليقة ونكونها، لا كيف نحفظ ألاعيب النحاة ونخب في كل لون من التعليل والتأويل والتشذيذ ... إلخ مما لم يعرفه الأوائل سادة اللغة أنفسهم ولا خطر لهم في بال! نريد قواعد تعيد إلينا سليقة هؤلاء، أو سليقة قريبة من سليقتهم، نريد لغة نستعملها لا لغة تستعملنا!

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٠٥