Horizons of Fusion
الشهير والمأثور عن هانز جادامر، فما الذي يجعل هذا الالتحام ممكنا؟ ما يجعله ممكنا هو حقيقة أن كلا الأفقين، بمعنى ما هو شيء عام وشامل ومؤسس في الوجود؛ ولذا فإن الالتقاء بأفق النص القديم، في واقع الأمر، يضيء الأفق الخاص بالمرء ويؤدي به إلى الفهم الذاتي والكشف الذاتي، فاللقاء يغدو لحظة انكشاف أنطولوجي، إنه حدث فيه يبزغ شيء ما من «السلب»
Negativity ، أي من إدراك المرء أن هناك شيئا ما لا يعرفه، أن الأشياء ليست كما كان المرء يفترض.
الانكشاف، بعبارة أخرى، يأتي كواقعة لها بنية الخبرة وبنية السؤال والجواب، إنها مسألة ديالكتيكية، فما هو «الوسط» الذي يمكن أن يحدث فيه وخلاله هذا الكشف الأنطولوجي؟ ما هو الوسط الذي بلغ من الشمول والعمومية مبلغا يسمح بانصهار الآفاق؟ ما هو الوسط الذي يختزن ويخبئ الخبرة المتراكمة لكل الأجيال الماضية من البشر؟ ما هو الوسط الذي لا ينفصل عن الخبرة ذاتها، لا ينفصل عن الوجود؟ إنه اللغة.
17 (3-2) طبيعة اللغة (أ) اللغة ليست أداة (الطابع غير الأداتي للغة)
في القلب من تصور جادامر للغة رفضه لنظرية «العلامة»
Sign
في طبيعة اللغة، وفي مقابل التوكيد على الشكل وعلى الوظائف الأداتية للغة يشير جادامر إلى طبيعة اللغة الحية ومشاركتنا فيها، يقول جادامر إن تحول الكلمة إلى «علامة» هو أمر أساسي في العلم، فالعلم غايته المثالية هي التسمية الدقيقة والمفاهيم المحددة غير الملتبسة، لقد أصبح تصور الكلمات على أنها علامات تصورا شائعا وبديهيا، بحيث يقتضي الأمر عملا بطوليا من الرياضة الذهنية لكي نتذكر أن حياة اللغة خارج نطاق العلم ومطلبه الخاص من الدقة والتحديد تمضي في طريقها غير متأثرة بذلك.
أن تنظر إلى الكلمات على أنها علامات هو أن تسلبها قوتها البدئية الأصلية وتجعلها مجرد أدوات أو وسائل لتسمية الأشياء، «وحيثما تم النظر إلى الكلمة في وظيفتها كمجرد علامة فإن العلاقة الأصلية بين الكلام والتفكير تتحول إلى علاقة «أداتية»، تغدو الكلمة أداة للتفكير وتقف كمقابل للتفكير وللشيء الذي تسميه، ولا نعود نرى العلاقة العضوية بين الكلمة وما تسميه، بل نرى الكلمة كمجرد علامة، بذلك يظهر التفكير كشيء منفصل عن الكلمات ويستخدم الكلمات للإشارة إلى الأشياء.»
متى ظهرت نظرية العلامة في الفكر الغربي؟ يتعقب جادامر هذا التصور في التاريخ ويربطه بفكرة «اللوجوس» في الفكر اليوناني، يقول جادامر: «إذا اختزل نطاق الأمور العقلية
The Noetic
بعناصره المتعددة وتم تمثيله بنطاق «اللوجوس»، فإن الكلمة تغدو عندئذ، شأنها شأن العدد، مجرد علامة على وجود محدد جيدا، ومن ثم معروف سلفا، بذلك ينقلب السؤال على نفسه، يغدو التساؤل، من حيث المبدأ، معكوسا: فالآن لا يمضي المرء من المسألة المطروحة إلى السؤال عن وجود الكلمات بوصفها وسائط، بل نبدأ بالوسيط - أي الكلمات - ثم نسأل: ماذا وكيف تنقل العلامة شيئا ما لمستخدمها؟ في صميم طبيعة «الطبيعة» أنها تحظى بوجودها وخاصيتها الحقيقية الوحيدة في وظيفة الاستعمال، حين يجري استخدامها.»
إنها تختفي في وظيفتها (التسمية)، ولا تعود مهمة في ذاتها ككلمة بل كعلامة فقط، لا يعود يشار إلى قوتها على كشف الوجود، بل يتلوى «اللوجوس» تزويد العلامات بواقع جاهز معروف سلفا لكي تشير إليه، لا تعود هناك مشكلة في جانب الكلمات وتتركز المشكلة الحقيقية في جانب الذات التي تستخدم الكلمات، هكذا ينظر إلى الكلمات كأدوات للإنسان من أجل توصيل فكره، وهكذا ينظر إليها في النهاية على أنها أداة للذات منفصلة تمام الانفصال عن وجود الشيء الذي تفكر فيه.
يتصل بهذه الفكرة اتصالا وثيقا تصور اللغة كشكل رمزي، وهو التصور الذي أصبح مألوفا لنا من خلال فلسفة إرنست كاسيرر