هذه الظاهرة بطبيعة الحال تطرح مشكلة: كيف تسأل السؤال الصحيح؟ فمن الواضح أن منطلق السؤال قد يكون خطأ ومن ثم لا يؤتي معرفة حقيقية. يرى جادامر أن ليس هناك إلا سبيل واحد للظفر بالسؤال الصحيح، وهو الانغمار في الموضوع نفسه؛ ولذلك ف «الحوار الحقيقي هو نقيض الجدل أو المناظرة»، لأن «المجادل» بطبيعته يتمسك بالجواب الذي بدأ به، أما «المحاور» فهو لا يحاول أن يحرج الطرف الآخر، بل يختبر دعاواه في ضوء الموضوع نفسه، ونحن إذا أنعمنا النظر في محاورات أفلاطون عن الحب أو الأخلاق أو العدالة ... إلخ، نجد الحوار يتحرك في اتجاهات غير متوقعة؛ لأن المتحاورين في هذه المحاورات يقودهم انغماس عام في المسألة موضوع المناقشة، وحين يريد المرء أن يختبر دعاوى الشخص الآخر فهو لا يحاول أن يضعفها، بل على العكس يحاول أن يقويها، أي يحاول أن يجد نقاط قوتها الحقيقية في تناول الموضوع نفسه، هذا ما يجعل محاورات أفلاطون، في رأي جادامر، على أعلى درجة من الأهمية في زمننا المعاصر.
الموضوع العام الذي ينغمس فيه المرء (كل من المفسر والنص) في حالة الحوار التأويلي هو التراث أو الموروث، إلا أن الطرف الآخر في الحوار هو «النص»، ذلك الكيان المثبت تثبيتا عنيدا في الشكل المكتوب، لا بد إذن أن ترد الصبغة الثابتة إلى حركة الحوار، تلك الحركة التي بمقتضاها يحدث الأخذ والرد؛ فالنص يسأل المفسر والمفسر يسأل النص، هذه هي مهمة الهرمنيوطيقا: أن تخرج النص من غربته التي يجد نفسه فيها، من حيث هو شكل مكتوب ثابت، وترده إلى الحاضر الحي للحوار الذي يتقوم بالسؤال والجواب.
عندما يصلنا نص ويصبح موضوعا للتأويل فإنه يطرح على المؤول سؤالا يحاول المؤول أن يجيب عنه من خلال التأويل، ومن صفة التأويل الأصيل أن يربط نفسه بالسؤال الذي وضعه النص، أن تفهم النص يعني أن تفهم هذا السؤال، ولكي تفهم النص يلزمك أولا أن تفهم أفق المعنى أو أفق التساؤل الذي يتحدد داخله اتجاه المعنى.
غير أن النص هو خبر، تقرير
Assertion
فهو بمعنى ما جواب عن سؤال، لا السؤال الذي نطرحه نحن على النص، بل السؤال الذي يطرحه «موضوع النص»
The Subject
على النص، وحين يفهم المرء النص في ضوء السؤال الذي يجيب عنه يتعين عليه أن يمضي متسائلا فيما وراء النص من أجل أن يفسره، يتعين على المرء أيضا أن يسأل: «ما الذي لم يقله النص؟» ولن يتسنى للمرء أن يفهم النص بمعناه إلا بقدر ما يبلغ أفق سؤال يضم أيضا أجوبة أخرى ممكنة، والحق أن معنى أية عبارة هو أمر نسبي ، أمر منسوب إلى السؤال الذي تعد العبارة إجابة عنه، أي إن معنى العبارة يتخطى بالضرورة ما قيل بصريح العبارة، ولهذا المبدأ دلالة هائلة وأهمية حاسمة في مجال الدراسات الإنسانية، وعلى المرء ألا يقنع بمجرد زيادة إيضاح ما هو واضح أصلا في النص، بل يتعين أن يوضح النص داخل أفق السؤال الذي أوجده، يقول ر. ج. كولنجوود
R. G. Collingwood
مطبقا هذا المبدأ في مجال التأويل التاريخي: لكي يفهم المرء حدثا تاريخيا ما فإن عليه أن يعيد نسج السؤال الذي كانت أفعال الأشخاص التاريخية جوابا عنه. ويعد كولنجوود، في رأي جادامر، واحدا من المفكرين القلائل في العصر الحديث الذين حاولوا صياغة منطق السؤال والجواب، وحتى هذه المحاولة لم تنجز على نحو تام ومنظم.
على أن عملية إعادة بناء السؤال الذي يعد النص أو الفعل التاريخي جوابا عنه ليست عملية مغلقة على ذاتها ولا يمكن تصورها كذلك على الإطلاق، يذهب جادامر، في نقده للوعي التاريخي، إلى أن أفق المعنى الذي يقف داخله النص أو الفعل التاريخي تتم مقاربته من داخل الأفق الشخصي للمرء، فالمرء عندما يقوم بالتفسير لا يترك أفقه الخاص وراءه، بل يوسعه بحيث يدمجه بالأفق الخاص بالنص أو الفعل، كما أن التفسير ليس مسألة الوقوف على مقاصد كاتب النص أو الفاعل التاريخي، إن الموروث نفسه يتحدث في النص، وجدل السؤال والجواب يحدث انصهارا للأفقين أو التحاما بينهما، هذا هو «التحام (انصهار/التئام) الآفاق»