تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

E. Cassirer ، فهنا أيضا ما تزال الوظيفة الأداتية للغة هي المبدأ وهي الأساس، وإن كان ذلك بطريقة تتجاوز وظيفتها كمجرد علامة، يرى جادامر أن لغويات كاسيرر الحديثة، وكذلك فلسفة اللغة الحديثة بصفة عامة، تخطئ حين تجعل «الشكل» في اللغة قاعدتها ومحور اهتمامها، فهل اللغة، بوصفها لغة، هي شكل رمزي؟ وهل يفي مفهوم الشكل بما يمكننا أن نسميه «الصبغة اللغوية

Lsinguisticality

للخبرة الإنسانية»؟ أو هو تصور سكوني يجرد الكلمة من طابعها كحدث، من قوتها على القول، من منزلتها كشيء أكثر بكثير من مجرد أداة للذات؟

فإذا لم تكن اللغة علامة، ولا هي شكل رمزي يبدعه الإنسان، فماذا تكون إذن؟ أولا وقبل كل شيء، الكلمات ليست شيئا ينتمي للإنسان، بل هي شيء ينتمي إلى الموقف! إن المرء ليبحث عن الكلمات، الكلمات التي تنتسب إلى الموقف، إن ما تحمله الكلمات حين يقول المرء «الشجرة الخضراء» ليس تأملا انعكاسيا بشريا بقدر ما هو الموضوع نفسه، الذي يهم هنا ليس شكل العبارة أو حقيقة أن العبارة تدلي بها ذات إنسانية، بل المهم هنا هو حقيقة أن الشجرة يتم كشفها في ضوء معين، إن صانع العبارة لم يخترع أي كلمة من كلماتها، لقد تعلمها، وعملية تعلم اللغة لا تأتي إلا بالتدريج ومن خلال الانغمار في تيار الموروث، صانع العبارة لم يصنع كلمة ثم يسبغ عليها معنى معينا، فهذا التصور هو بناء ذهني محض للنظرية اللغوية، يقول جادامر: «الكلمة اللغوية ليست «علامة» يقبض عليها المرء، ولا هي شيء موجود يشكله المرء ويسبغ عليه معنى ما فيصنع منه علامة ليظهر بها شيئا آخر، فكلا الاحتمالين خطأ، وإنما وجه الأمر أن المعنى الأمثل يقبع في الكلمة نفسها، إن الكلمة هي دائما محلاة بالمعنى سلفا.»

من الخطأ أن نتصور أن الخبرة هي معطى غير لغوي يقيض المرء له كلمات بشكل لاحق ومن خلال فعل تأملي انعكاسي، إنما الخبرة والتفكير والفهم شيء لغوي قلبا وقالبا، وما يفعل المرء حين يصوغ عبارة إلا أن يستخدم الكلمات المنتسبة أصلا إلى الموقف، وإن تقييض كلمات لوصف الخبرة ليس بالفعل العشوائي، بل هو إذعان لمقتضيات الخبرة.

تكوين كلمات إذن ليس صنيعة التأمل بل الخبرة، إنه ليس تعبيرا عن روح أو عقل بل عن موقف أو وجود: «والتفكير الذي يبحث عن تعبير لا يربط نفسه ب «عقل» بل بحقيقة، بمسألة.» ولكي يوضح جادامر العلاقة الوثيقة بين الكلمة والتفكير والقول فهو يشير إلى مذهب «التجسد»

Incarnation : إن وحدة الفكر والقول الخاصة بسر التجسد في عقيدة التثليث (الكلمة كان كلمة حتى قبل أن يصبح جسدا) تتضمن فكرة أن الكلمة الباطنة للروح لا تتكون من خلال فعل تأملي.» تنبثق الكلمة بالطبع من عملية نشاط ذهني، إنما يريد جادامر أن يقول بأنها ليست تجسيدا ذاتيا للتأمل نفسه، فمبدأ الأمر ومنتهاه في عملية تكوين الكلمات ليست التأمل الانعكاسي بل الموضوع أو المسألة التي يجري التعبير عنها في كلمات.

أن ترى اللغة أداة للتأمل البشري، أو ترى الكلمات أدوات للذات، هو أشبه بأن تجعل الذيل يهز الكلب! أن تجعل الشكل هو نقطة البداية في اللغة هو في جوهره تكرار لنفس الخطأ الذي ترتكبه الاستطيقا حين تجعل الشكل نقطة بدايتها، إنك إذن تجرد الظاهرة من طابعها كحدث وتفقدها «زمانيتها»، وأهم من ذلك أنك تقع في خطأ اتخاذ الذات الإنسانية، بدلا من طبيعة الشيء المراد التعبير عنه، كنقطة مرجعية ثابتة، ذلك أنه في حالة اللغة فإن قوتها القولية، وليس شكلها، هي الحقيقة المحورية والحاسمة، لا يمكن للشكل أن ينفصل عن المضمون، غير أننا حين ننظر إلى اللغة كأداة فنحن نفصلهما تلقائيا، لا ينبغي للغة، في رأي جادامر، أن تصنف وفقا للشكل بل وفقا لما تنقله إلينا اللغة تاريخيا، لا يمكن للغة أن تنفصل عن الفكر.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١٠٠