Thou . الموروث ليس شيئا يمكن للمرء أن يسيطر عليه، ولا هو موضوع يقف قبالة المرء، إنما يشرع المرء في فهم الموروث، وإن كان في الوقت نفسه مغمورا به، بوصفه خبرة لغوية صميمة، وحين يخبر المرء معنى نص من النصوص فإنه إذاك يفهم موروثا خاطبه برهة كشيء مقابل له، غير أنه في الوقت نفسه جزء من ذلك التيار الذي يقف فيه المرء، تيار التاريخ والخبرات، التيار الذي لا تمكن موضعته
Nonobjectifable .
يؤكد جادامر بشدة على أن النص الذي نقابله بوصفه «أنت»
Thou
ينبغي ألا ننظر إليه على أنه من «تعبيرات الحياة» على حد تصور دلتاي، ذلك أن للنص محتوى معينا من المعنى بقطع كل الصلة بشخص قائله، ولا ينبغي أيضا أن تدفعنا مصطلحات «أنا» و«أنت» إلى تصور العلاقة هنا على أنها علاقة شخص بشخص، بمعنى علاقة شخص القارئ بشخص قائل النص؛ ذلك أن القوة المتحدثة هنا لا تكمن في شخص القائل بل في النص المنقول نفسه، وحين يتناول المرء نصا فإن عليه أن يسمح للنص أن يتحدث، أن ينفتح للنص بوصفه ذاتا قائمة بنفسها لا بوصفه موضوعا، هذا الانفتاح الأصيل هو بالضبط ما كنا نصفه آنفا عندما كنا بصدد بنية «أنا-أنت» التي تسم الوعي التاريخي الحق.
تشير بنية «أنا-أنت» إلى علاقة حوار أو جدل. ثمة سؤال يوجه إلى النص، وثمة، بمعنى أعمق، سؤال يوجهه النص إلى القارئ (المفسر)، إن لكل حوار حقيقي بنية «سؤال-جواب» تعكس البنية الجدلية للخبرة بصفة عامة، والخبرة التأويلية بصفة خاصة، على ألا نغفل أن الحوار هنا هو حوار «قارئ-نص»، وليس حوار «قارئ-كاتب».
15 (3) بنية التساؤل في الهرمنيوطيقا (3-1) التحام الآفاق
Fusion of Horizons
يوم بيت لا يوم خوض الدياجي
فانج ما بين صفحة وسراج
وجمال من النفوس يناجى
في أسارير وجهه ويناجي
العقاد
يقول جادامر إن الصبغة الجدلية للخبرة تنعكس في الحركة واللقاء مع «السلب»
Negativity
الموجودين في كل تساؤل حقيقي، ويمضي جادامر إلى حد القول بأن «كل خبرة حقيقية تفترض مسبقا بنية التساؤل، فإدراك الخبرة له بنية السؤال: «هل الأمر هو كذا أم كذا؟» لقد رأينا أن الخبرة تحقق ذاتها في إدراكنا لمحدوديتنا وتناهينا وتاريخيتنا، كذلك الحال في التساؤل، فهناك حائط نهائي من السلب، هو دائما أن تعرف أنك لا تعرف، هذا هو ما كان يدعوه سقراط
Docta Ignoratia
والذي يكشف السلب الحقيقي الذي يتبطن كل تساؤل.
أن تسأل سؤالا أصيلا يعني أن «تقيم في العراء»؛ لأن الجواب لم يتحدد بعد، ومعنى أي سؤال إنما يدرك في المرور خلال هذه الحالة من عدم التحدد، التي يصبح فيها سؤالا مفتوحا لم يتم حسمه، وكل سؤال حقيقي يتطلب هذا الانفتاح، فبدون هذا الانفتاح يكون السؤال مجرد سؤال ظاهري، سؤال زائف، يترتب على ذلك أن السؤال التدريسي ليس سؤالا حقيقيا؛ لأنه سؤال بلا سائل! وأن السؤال الإنشائي ليس سؤالا حقيقيا؛ لأنه سؤال بلا سائل ولا موضوع! وهو سؤال بلا موضوع؛ لأن الشيء الذي يتحدث عنه السؤال ليس موضوعا حقا موضع تساؤل على الإطلاق.
16 «لكي يستطيع المرء أن يسأل فلا بد أن تكون لديه رغبة في أن يعرف، غير أن هذا يعني أنه يعرف أنه لا يعرف.» وعندما يعرف المرء أنه لا يعرف ثم يتحاشى، رغم ذلك، الاندفاع من خلال «المنهج» إلى افتراض أنه لا يلزمه إلا أن يفهم فهما أدق بالطريقة التي يعرفها سلفا، عندئذ فقط يكتسب بنية الانفتاح الذي يميز التساؤل الأصيل، وفي ذلك يقدم لنا سقراط النموذج بالتبادل المرح للسؤال والجواب، سابرا بذلك أغوار الموضوع نفسه بحثا عن منفذ صحيح إلى طبيعته الحقة.
على أن انفتاح التساؤل ليس انفتاحا مطلقا؛ لأن لكل سؤال دائما اتجاها معينا، ولأن معنى السؤال يتضمن سلفا الاتجاه الذي يتعين على الإجابة أن تأتي فيه إذا شاءت أن تكون ملاءمة وذات معنى، وأنت إذ تضع السؤال تكون قد وضعت الشيء الذي تسأل عنه في ضوء معين، تكون قد اقتحمت وجود الشيء وفتحته عنوة، التساؤل الحقيقي إذن يفترض الانفتاح (أي إن الجواب غير معروف) وفي الوقت نفسه يشير إلى اتجاه ويحدد حدودا.