تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في مقابل خرافة المعرفة التصورية المحضة والقابلة للتحقيق يدفع جادامر بمفهومه التاريخي والجدلي للخبرة، حيث الخبرة ليست مجرد تيار من الإدراكات الحسية بل واقعة، حدث، لقاء، ورغم أنه لا يشارك هيجل مسلماته ونتائجه فهو يجد في تصور هيجل الديالكتيكي للخبرة نقطة البداية لتأويليته الجدلية الخاصة.

الخبرة، كما يعرفها هيجل، هي نتاج التقاء الوعي بموضوع ما، يقول هيجل: «ثمة حركة بمقتضاها يمارس الوعي فعله في كل من العارف وموضوعه، وبقدر ما يتولد عن ذلك، بالنسبة له، موضوع جديد يكون ذلك جديرا بأن يسمى «خبرة».» الخبرة إذن، وفقا لهيجل، لها دائما بنية انعكاس الوعي أو إعادة تشييده، إنها حركة من نوع ديالكتيكي.

تحت هذا الميل إلى الانعكاس ثمة عنصر من «السلب»

Negativity : فالخبرة هي أولا وقبل كل شيء خبرة ب «ليس»: شيء ما هو «ليس» كما كنا نفترض. موضوع خبرة المرء يرى في ضوء مختلف، يتغير، والمرء نفسه يتغير حيث يعرف الموضوع على نحو مختلف، الموضوع الجديد يتضمن حقيقة أعلى من القديم، لقد قضى القديم زمنه، غير أن الخبرة عند هيجل هي الموضعة الذاتية للوعي، ومن ثم فالخبرة نبلغها من طريق المعرفة التي تتجاوزها، بذلك يتبين أن هيجل يجعل الوعي أساسا، بينما يذهب جادامر إلى أن الوعي نفسه يتم تجاوزه بواسطة موضوعية الوعي.

يذهب جادامر إلى أن الخبرة تجد تحققها الجدلي «لا في المعرفة بل في الانفتاح على الخبرة»، ومن الواضح أن الخبرة هنا لا تعني نوعا من المعرفة المعلوماتية المختزنة عن هذا الشيء أو ذاك، والحق أن جادامر يستخدم مصطلح «الخبرة» بمعنى أقل تقنية وأكثر اقترابا من معناها الدارج، فتشير «الخبرة» عنده إلى تراكم فهم غير مموضع وغير قابل للموضعة، والذي كثيرا ما نسميه «الحكمة»، مثال ذلك أن الرجل الذي قضى كل حياته يتعامل مع الناس يكتسب قدرة على فهمهم، وهي ما نسميه «الخبرة»، وبينما خبرته هي معرفة غير قابلة للموضعة فإنها تدخل في لقائه التأويلي مع الناس، ورغم ذلك فهي ليست قدرة شخصية محضة، إنها معرفة بطبيعة الأشياء وأحوالها، معرفة بالناس لا يمكن حقا وضعها في مصطلحات تصورية.

تومئ الخبرة دائما إلى ألم النمو وألم الفهم الجديد، والخبرة شيء لا بد من اكتسابه بصفة دائمة، ولا أحد يستطيع أن ينقذنا منها، وقد نود أن نعفي أبناءنا من «الخبرات» المؤلمة التي مررنا بها نحن، إلا أنه يتعذر إعفاؤهم من الخبرة ذاتها، فالخبرة شيء ينتمي إلى الطبيعة التاريخية للإنسان، الخبرة هي دائما تحرر من الوهم وخيبة للتوقع ومسير للأمور على ما لم يكن في الحسبان، ولا تأتي الخبرة إلا من هذا الطريق، ورغم ذلك فحقيقة أن الخبرة هي شيء مؤلم بالدرجة الأساس وغير سار لا يصبغها باللون الأسود ضربة لازب، بل يطلعنا على طبيعتها الداخلية فحسب، فالسلب والإحباط أو خيبة التوقع وانقشاع الوهم هي صفات مدمجة في طبيعة الخبرة، وفي طبيعة الوجود التاريخي للإنسان، «تجري كل خبرة عكس التوقع إذا كانت حقا تستحق أن تسمى خبرة.»

ليس بدعا إذن أن يشير جادامر إلى المأساة الإغريقية وإلى قول أسخيليوس

Pathei Mathos «تألم لكي نتعلم»، التعلم هنا ليس اكتساب صنف علمي من المعرفة، إنما يريد أسخيليوس أن يقول إنه من خلال المعاناة يعرف المرء حدود الوجود الإنساني نفسه، ويفهم محدودية الإنسان وتناهيه: «فالخبرة هي خبرة بالتناهي.» الخبرة بمعناها الحقيقي الصميم تهيب بالمرء أن يعرف أنه ليس سيدا على الزمن، والإنسان ذو الخبرة هو الذي يعرف حدود كل توقع أو استباق، ويعرف أن كل الخطط البشرية غير مضمونة، غير أن هذه المعرفة لا تدعوه إلى التصلب والانغلاق بل إلى الانفتاح على الخبرة الجديدة.

في ضوء هذه الملاحظات يمكننا أن نتبين «الخبرة التأويلية» التي تعلق بما يصادفه المرء بوصفه تراثا أو موروثا، الخبرة هنا ليست كغيرها من الخبرات، فالموروث لغة، أي إنه هو نفسه يتكلم، كأنه ذات أو «أنت»

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٩٦