وفي النمط الثاني:
من الخبرة والفهم ينظر إلى الآخر «كشخص»، غير أن هذه العلاقة «الشخصية» قد تبقى سجينة في الأنا، وهي في واقع الأمر علاقة بين الأنا وبين «أنت» تشكله الأنا تشكيلا تأمليا انعكاسيا، هذا النمط الثاني من علاقة «أنا- أنت» يميز، من الوجهة التأويلية، ذلك الوعي التاريخي الذي اضطلع جادامر بمهاجمته ووجه إليه سهام نقده، هذا النمط من الوعي التاريخي يعرف «آخرية الآخر» في خصوصيته وتميزه وليس في إطار العموميات كما يفعل النمط الأول، آخرية الآخر، إذن، وماضوية الماضي لا تعرف إلا بنفس الطريقة التي تعرف بها الأنا الآخر، أي من خلال التأمل الانعكاسي، ها هنا نجد الأنا العارفة، في ادعائها معرفة الآخر بكل أحواله الخاصة وادعائها الموضوعية، قد ادعت في حقيقة الأمر أن لها السيادة، غير أن هذا الصنف الخفي من السيادة من خلال الفهم هو الذي يستخدم الفهم لكي يرى التاريخ «قابعا هناك» بوصفه مجرد «أنت» مشكل تشكيلا انعكاسيا، إنها تموضع التاريخ وتدمر، في حقيقة الأمر، ما يطرحه علينا من معنى.
أما النمط الثالث:
من علاقة «أنا-أنت» فيتميز بالانفتاح الأصيل على الأنت، هذه هي العلاقة التي لا تسقط المعنى من الأنا بل تنفتح الانفتاح الأصيل الذي «يدع شيئا ما لكي يقال»: «إن الشخص الذي «يسمح لشيء ما أن يقال له» هو كيان مفتوح بطريقة أساسية»، مثل هذا النمط هو أقرب من النمطين الآخرين إلى ما يعنيه بيوبر بعلاقة «أنا-أنت» الحقيقية، «إنه الانفتاح الذي يود أن يسمع أكثر مما يود أن يسود، يود أن يتغير ويتعدل من خلال الآخر.» وهو الأساس الذي يقوم عليه الوعي التاريخي الحق.
13
يتكون هذا الوعي من علاقة بالتاريخ لا يمكن للنص فيها أن يكون «آخر» بشكل كامل وموضوعي، ذلك أن الفهم ليس بالتمييز السلبي لآخرية الماضي، بل هو بالأحرى أن يضع المرء نفسه بحيث يقر له الآخر بالأهلية والاستحقاق، عندما يقرأ المرء نصا تاريخيا على أنه مجرد شيء تاريخي فإنه يكون قد صادر بالحاضر سلفا وجزم به ووضعه خارج الشك والتساؤل، أما الوعي التاريخي الأصيل فهو لا ينظر إلى الحاضر على أنه ذروة الحقيقة، بل يتذرع بالانفتاح الدائم للدعوى التي يمكن للحقيقة الكامنة في العمل أن توجهها إليه. «يتحقق الوعي التأويلي لا في اليقين الذاتي المنهجي بل في الاستعداد والانفتاح الخبروي كنقيض للجزم الدوجماطيقي.» حين يكتسب المرء «خبرة» من النصوص فإن ما اكتسبه ليس مجرد معرفة موضوعية، بل «خبرة» غير قابلة للموضعة، إنها «الخبرة» التي أنضجته وجعلته منفتحا للتراث ومنفتحا للماضي، إن مفهوم «الخبرة» هو مفهوم بالغ الأهمية لفهم تأويلية جادامر كما سيتبين لنا فيما يلي من حديث. (2) تأويلية جادامر الجدلية (2-1) بنية الخبرة التأويلية
يبدأ جادامر تناوله للخبرة التأويلية بنقد للمفهوم السائد للخبرة، والذي يراه جادامر مفرط التوجه نحو العرفان (فعل المعرفة) بوصفه فعلا إدراكيا حسيا ونحو المعرفة بوصفها حشدا من المعلومات التصورية. نحن، بتعبير آخر، نميل اليوم إلى تعريف الخبرة بطريقة ذات توجه كامل تجاه المعرفة العلمية، مع إغفال تام للصبغة التاريخية الباطنة للخبرة، ونحن إذ نفعل ذلك نحقق دون وعي منا هدف العلم، وهو «موضعة الخبرة بحيث لا تعلق بها لحظة تاريخية من أي نوع»؛ «فمن خلال التنظيم الميثودولوجي الصارم تقوم التجربة العلمية بانتزاع الموضوع من لحظته التاريخية وتعيد بناءه بحيث يلائم المنهج.»
14
شيء مماثل لذلك يحدث، في رأي جادامر، في مجال اللاهوت وفقه اللغة مع «المنهج التاريخي النقدي» الذي يعكس بطريقة ما نفس الرغبة العلمية العارمة في جعل كل شيء موضوعيا وقابلا للتحقيق، حين تسود هذه الروح لا يعود هناك شيء «واقعي» سوى ما هو قابل للاختبار، ولا يعود هناك مكان للجانب التاريخي والجانب غير القابل للموضعة من الخبرة، ومن ثم فإن تعريف الخبرة نفسه يستبعد معطيات هذه العلوم (فلا تدخل في التعريف).