كذلك الأمر حين نكون بصدد قراءة أو مشاهدة عمل أدبي عظيم: ملتون أو شكسبير أو دانتي أو سوفوكل أو هومر؛ فما نقوم به هنا ليس مجرد «إعادة بناء» عالم ماض، ذلك أن قراءة العمل الأدبي هي حدث ، واقعة تحدث في الزمان، ومعنى العمل هو نتاج لاندماج أفقنا الحاضر نفسه وأفق العمل الأدبي القديم، ثمة شيء شبيه ب «نزع الأسطورية» يحدث في كل فهم أصيل لأي عمل أدبي، وثمة تطبيق على الحاضر يحدث في كل فعل للفهم، أما الظن القائل بأننا حين نقرأ مسرحية لشكسبير «نعود بكليتنا إلى عالم شكسبير» تاركين وراءنا أفقنا الخاص، فهو وهم ودليل على أن اللقاء الاستطيقي قد نجح في أن يغشي على عامل التطبيق في الفهم.
يؤيد ما ذهبنا إليه أيضا ما يحدث عندما تمثل مسرحية شكسبيرية أو مسرحية أقدم على خشبة المسرح: فالمشهد المسرحي يقدم لنا تقنيات معقدة لمساعدتنا على العودة إلى الماضي، والملابس تصنع أحيانا بتطابق بالغ الأمانة مع الحقبة الزمنية المعروضة، ورغم ذلك تبقى الحقيقة هي أن المسرحية تمثل في الحاضر، الآن، أمام أعيننا، وفي فهمنا، والموضع الذي تجري فيه المسرحية هو في العقل الجمعي للجمهور، يعرف الممثلون ذلك ويضعونه بالاعتبار في تمثيل أدوارهم، خذ على سبيل المثال مشكلة تمثيل دور الساحرات في «مكبث» على خشبة المسرح، فالإخراج الحديث يميل إلى التقليل من أهمية العنصر الخارق للطبيعة في هذا الصدد ويعرض الساحرات كمجرد نسوة عجائز يتبعن جيش مكبث، ويعرض نبوءاتهم بإضفاء صوت على تأملات حاضرة أمامنا وبث جو من الاضطراب على المسرح، إنهن يخلقن مناخا من الشؤم ونذر الشر، هكذا يتم «تأويل» «معنى» الساحرات بالنسبة لنا اليوم بالطريقة التي يعرضن بها على المسرح بحيث نجتنب التأثير المضحك الذي يمكن أن تحدثه الخوارق الخرافية العتيقة الزي لدى المتفرج المعاصر.
من الحقائق الهامة أيضا أن الإيهام الدرامي في المسرحيات لا يعتمد على المشهد أو الملابس أو حتى الحضور المرئي للممثلين، فالحضور الصوتي، كما هو الحال في التسجيلات الصوتية، هو العنصر الهام بحق، فالإيهام الدرامي هو أن الماضي يحدث في الحاضر، في الحاضر الخبروي وليس في الماضي التاريخي، توضح هذه الظاهرة أمرا هاما عن مفهوم التطبيق في الفهم التاريخي: إنه ليس إحضارا حرفيا للماضي بل إحضار ما هو جوهري في الماضي إلى حاضرنا الشخصي، إلى فهمنا الذاتي، أو بتعبير أدق إلى خبرتنا بالوجود، علينا أن نخدع أنفسنا: إن فهمنا لمسرحية من المسرحيات، عندما «نعرف» ماذا «تعني»، ليس أمرا مغلقا على حاله بل هو ربط للعبة المغلقة التي هي المسرحية بحاضرنا ومستقبلنا، هكذا يصرح جادامر: الفهم دائما يشتمل على التطبيق، التطبيق على الزمن الحاضر. (ب) الوعي التاريخي الفعال (العامل/المؤثر/الحق)
يحاول جادامر، كمقابل لذلك الصنف من الوعي التاريخي الذي ينتقده، أن يصف صنفا أصيلا من الوعي يظل فيه التاريخ فاعلا على الدوام، سنطلق على هذا الوعي، على سبيل التخفيف، اسم «الوعي التاريخي العامل» أو «الوعي التاريخي الحق» حسب السياق.
يستخدم جادامر تصنيفا من ثلاثة أنماط لعلاقة
I Thou «أنا-أنت» (يجب ألا نخلط بينها وبين علاقة «أنا-أنت» عند مارتن بيوبر) لكي يضع الوعي التاريخي العامل في موضعه وبالتالي يبين طبيعته: (1)
الأنت بوصفه «موضوعا»
Object
داخل نطاق أو مجال. (2)
الأنت بوصفه إسقاطا تأمليا انعكاسيا. (3)
الأنت على أنه تراث يتحدث.
يشير جادامر إلى أن النمط الثالث وحده هو ما يراه وعيا تاريخيا أصيلا.
في النمط الأول:
من علاقة «أنا-أنت» ينظر إلى الشخص الآخر «كشيء» محدد داخل نطاق خبرة المرء، وفي الأغلب كشيء يستخدمه المرء كوسيلة أو أداة لتحقيق مآربه، في هذه الحالة يتم فهم الآخر في إطار العموميات ووفق المقولات العامة، في هذا الصنف من التناول يقع كل التفكير الاستقرائي، فإذا ما طبقنا هذا النموذج على العلاقة التأويلية بالتراث لانزلقنا بسهولة في «المناهج» وفي «الموضوعية»، عندئذ يصبح التراث موضوعا منفصلا عنا، ينوس على هواه ولا يتأثر بنا أو يتوقف علينا، وسرعان ما نخدع أنفسنا فنظن أنه لا يلزمنا إلا تنحية كل لحظة ذاتية في علاقتنا بهذا التراث لكي نظفر بمعرفة يقينية بما يتضمنه، مثل هذه «الموضوعية» ذات التوجه المنهجي هي في الأغلب الطريقة السائدة في العلوم الطبيعية، والسائدة أيضا في العلوم الاجتماعية باستثناء المجالات التي تسفر فيها الفينومينولوجيا عن وجهها، غير أنها لا يمكن أن تعود بالنفع على الأفرع البحثية التي تركز على الخبرة الإنسانية، ولا يمكن أن تكون أساسا يقوم عليه وعي يكون فيه التاريخ فاعلا (وعي تاريخي حق).