مثل هذا المنهج هو ذو أهمية كبرى للنظرية التأويلية، حيث إنه يتضمن أن التأويل لا يتأسس على الوعي الإنساني والمقولات الإنسانية بل على انكشاف الشيء الذي نقابله، الواقع الذي يصادفنا، غير أن اهتمام «هيدجر» كان منصبا على الميتافيزيقا وعلى مسألة الوجود، فهل بإمكان مثل هذا المنهج أن يضع نهاية للذاتية وللطابع التأملي النظري للميتافيزيقا؟ هل يمكن أن يطبق على مسألة الوجود؟ هذه مهمة صعبة بلا ريب، ويزيدها تعقيدا حقيقة أن الوجود ليس ظاهرة على الإطلاق بل هو شيء أكثر إحاطة وشمولا وروغانا، ومن المحال أن يصبح «موضوعا» لنا؛ إذ نحن أنفسنا «وجود» في الفعل نفسه الذي نشكل به أي موضوع بوصفه موضوعا.
غير أن «هيدجر» في «الوجود والزمان» يعثر على نوع من المنفذ في حقيقة أن المرء لديه مع وجوده فهم معين لما يكونه امتلاء الوجود، إنه ليس فهما ثابتا بل فهم يتكون تاريخيا، متراكما في خبرة مواجهة الظواهر، بذلك ربما يمكن للوجود أن يستنطق بواسطة تحليل للطريقة التي يحدث بها الظهور، الأنطولوجيا ينبغي أن تصبح فينومينولوجيا، يجب أن تلتفت الأنطولوجيا إلى عمليات الفهم والتأويل التي تظهر من خلالها الأشياء، يجب أن تخرج إلى النور تلك البنية الخفية للوجود في العالم.
4 (2) طبيعة الفهم (2-1) هيدجر يتجاوز دلتاي «الفهم»
Verstehen
عند «هيدجر» مصطلح خاص يعني غير ما تعنيه الكلمة الإنجليزية
Understanding
في الاستعمال الدارج، ويعني غير ما يعنيه المصطلح نفسه عند دلتاي، فالكلمة الإنجليزية
Understanding
توحي بالتعاطف، أي القدرة على الشعور بشيء مما يشعر به شخص آخر، ونحن حين نتحدث عن «نظرة متفهمة» فإنما نعني أكثر من مجرد النظرة الموضوعية، نعني شيئا أشبه بالمشاركة في الأمر الذي نفهمه، وليس ما يمنع أن يكون لفلان معرفة واسعة وتفهم ضئيل، ذلك أن الفهم فيما يبدو يبلغ ما هو جوهري في الشيء ويلمسه، وفي بعض الاستعمالات يبلغ ما هو شخصي، لقد كان الفهم عند شلايرماخر يرتكز على مبدئه عن تماثل العوالم الداخلية بحيث إن المرء ليهتز في تجاوب مع المتحدث عندما يفهمه، فالفهم يتضمن كلا اللحظتين: المقارنة والاستشفافية، أما عند دلتاي فالفهم يسير إلى ذلك المستوى الأعمق من الإدراك والذي يتم عندما نفهم لوحة أو قصيدة أو حقيقة (اجتماعية أو اقتصادية أو سيكولوجية) كشيء أكثر من مجرد معلومة من المعلومات أو بيان من البيانات، عندما نفهمها ك«تعبير» عن «الوقائع الباطنة»، أو تعبير عن «الحياة» ذاتها في نهاية المطاف.
أما الفهم عند «هيدجر»، فهو تصور بعيد كل البعد عن التصورات السابقة، الفهم عند «هيدجر» هو قدرة المرء على إدراك ممكنات وجوده ضمن سياق العالم الحياتي الذي وجد فيه. الفهم ليس موهبة خاصة أو قدرة معينة على الشعور بموقف شخص آخر، ولا هو القدرة على إدراك معنى أحد تعبيرات الحياة على مستوى أعمق. «الفهم ليس شيئا نمتلكه بل هو شيء «نكونه»!» الفهم شكل من أشكال «الوجود في العالم»، أو عنصر مكون من عناصر «الوجود في العالم»، الفهم هو الأساس لكل تفسير، وهو متأصل ومصاحب لوجود المرء وقائم في كل فعل من أفعال التأويل.
الفهم إذن أمر أساسي من الوجهة الأنطولوجية وسابق على كل فعل من أفعال الوجود، وللفهم جانب ثان يتمثل في حقيقة أن الفهم دائما يتعلق بالمستقبل، وهذه هي السمة الإسقاطية للفهم، على أن الإسقاط يجب أن يقوم على أساس، كما أن الفهم يرتبط بموقف المرء، غير أن ماهية الفهم تكمن لا في مجرد فهم موقف المرء بل في كشف الإمكانيات الملموسة للوجود داخل الأفق الخاص بموقع المرء في العالم، ويطلق «هيدجر» على هذا الجانب من الفهم مصطلح
Existentiality (Existenzialitat) .
وللفهم، كما يراه «هيدجر»، سمة هامة أخرى، هي أنه يعمل دائما داخل مجموعة من العلاقات المؤولة من الأصل، داخل «كل علائقي»