تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتتجلى الفروق بين هذين الصنفين من الفينومينولوجيا في مسألة أخرى، هي «التاريخية»

Historicality ، لقد ألمح «هسرل» إلى تاريخية الوعي وقدم وصفا فينومينولوجيا للوعي الداخلي بالزمن، إلا أن توقه إلى «المعرفة الضرورية» قد أدى به إلى أن يترجم «الزمانية» مرة أخرى إلى المصطلحات السكونية المثولية للعلم، وهو في صميمه إنكار لزمانية الوجود نفسه وإثبات لعالم الأفكار ورفعه فوق تيار التغير، هذا ما جعل «هيدجر» يصرح عام 1962م بأن فينومينولوجيا هسرل قد «طورت نمطا وضعه ديكارت وكانت وفخته، وموقفا تبقى تاريخية الفكر غريبة عليه كل الغرابة»، كان «هيدجر» يحس في نفس الوقت بأن تحليله في «الوجود والزمان» كان متمسكا بشدة وعن حق بمبدأ الفينومينولوجيا، غير أن الفينومينولوجيا لا يجب أن تؤول للوعي، فمن الممكن أيضا أن تكون وسيلة لكشف الوجود بكل وقائعيته

Facticity

وتاريخيته.

2 (1-2) الفينومينولوجيا بوصفها تأويلا

في القسم الخاص من «الوجود والزمان» الموسوم باسم «المنهج الفينومينولوجي» في البحث يشير «هيدجر» صراحة إلى منهجه على أنه «هرمنيوطيقا»، وإذا جاز للسائل أن يسأل «ماذا يقدم ذلك للفينومينولوجيا؟» فإن هناك سؤالا آخر على نفس الدرجة من الأهمية لدراستنا الحالية: «ماذا يقدم ذلك للهرمنيوطيقا؟» غير أنه من الضروري قبل أن نتناول هذا السؤال أن نعرض لتعريف (أو إعادة تعريف) «هيدجر» للفينومينولوجيا.

يعود «هيدجر» إلى الجذرين اليونانيين للكلمة:

Logos, Phainomenon ، فيقول إن

Phainomenon

تعني «ذلك الذي يظهر نفسه، الظاهر، المنكشف»، وإن

pha

شبيهة بكلمة

Phos

اليونانية التي تعني الضوء، التألق، ذلك الذي فيه يمكن لشيء ما أن يظهر، أن يصبح مرئيا، «فينومينا»

Phenomena

إذن تعني: «مجموع ما هو عرضة لضوء النهار، أو يمكن أن يسلط عليه الضوء، ذلك الذي جعله اليونانيون مكافئا ببساطة لما هو كائن.»

غير أن هذا الانكشاف أو هذا الصنف من إظهار الشيء «كما هو» يجب ألا نفهمه على أنه شكل ثانوي من الإشارة، مثلما يحدث عندما «يبدو شيء ما على أنه شيء آخر»، ولا هو شبيه بعرض لشيء ما، أي يشير إلى ظاهرة أخرى أكثر أولية، بل هو إظهار لشيء ما كما هو، في ظاهره، في تجليه.

وأما اللاحقة

Ology

فتعود بالطبع إلى الكلمة اليونانية «لوجوس»

Logos ، واللوجوس، كما يخبرنا «هيدجر»، هو ذلك الذي يتم توصيله في فعل الكلام، من ذلك يتبين أن المعنى الأعمق لكلمة لوجوس هو «ترك الشيء يظهر»، ومن ثم فإن للوجوس وظيفة كشفية، فهو يشير إلى الظواهر، ويدع الشيء يظهر على أنه ذلك الشيء.

غير أن هذه الوظيفة ليست وظيفة حرة بل هي مسألة كشف أو إماطة لثام، فهي تخرج من التحجب إلى وضح النهار، العقل لا يسقط معنى على الظاهرة، وإنما وجه الأمر أن ما يظهر هو تجل أنطولوجي للشيء نفسه، صحيح أننا من خلال النزعة الدوجماطيقية يمكننا أن نفرض على الشيء أن يرى على الوجه المرغوب فحسب، ولكن ترك الشيء يظهر على ما هو عليه يغدو مسألة تعلم، علينا أن نتعلم كيف نتيح للشيء أن يفعل ذلك، واللوجوس (الكلام) في الحقيقة ليس قوة يمنحها لغة مستخدم اللغة، بل قوة تمنحها له اللغة، وسيلة للرضوخ لما انكشف وظهر من خلال اللغة.

نخلص من ذلك إلى أن المركب «فينومينولوجيا» يعني: «أن نترك الأشياء تظهر على ما هي عليه دون أن نقحم عليها مقولاتنا الخاصة»، الاتجاه هنا هو عكس الاتجاه الذي اعتدنا عليه: ليس نحن من يشير إلى الأشياء، بل الأشياء هي التي تكشف لنا عن نفسها، ولسنا نومئ بذلك إلى شيء من النزعة الإحيائية

Anrmism

3

البدائية، بل نهيب بالقارئ أن يتبين أن ماهية الفهم الحقيقي هي الاسترشاد بقوة الشيء على أن يظهر نفسه، وهذا بالضبط ما كان يقصد إليه هسرل حين نادى بالعودة «إلى الأشياء ذاتها»، الفينومينولوجيا هي وسيلة للاسترشاد بالظواهر من خلال منفذ ينتمي إليها بشكل صادق أصيل.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٦١