تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Bewandtnisganzheit

ولهذه الملاحظة متضمنات واسعة النطاق بالنسبة للهرمنيوطيقا، وبخاصة حين نصلها بأنطولوجيا «هيدجر»، لقد سبق لدلتاي أن أكد أن المعنى هو دائما مسألة إشارة إلى سياق من العلاقات، وهو مثال للمبدأ المعروف القائل بأن الفهم دائما يعمل داخل «دائرة تأويلية»

Hermeneutic Circle

وليس بالتقدم المنتظم من أجزاء بسيطة ومكتفية بذاتها إلى «الكل» المكون من هذه الأجزاء، غير أن هرمنيوطيقا «هيدجر» الفينومينولوجية تتقدم خطوة أبعد؛ فتستكشف متضمنات «الدائرة التأويلية» بالنسبة لبنية كل فهم وتأويل وجودي إنساني، وعلينا بالطبع ألا نتصور الفهم كشيء ميتافيزيقي يتجاوز الوجود الحاس للإنسان، بل كشيء غير منفصل عنه. إن «هيدجر» لا ينفي وجهة نظر دلتاي ذات التوجه الخبروي بقدر ما يضعها في سياق أنطولوجي، ويتجلى ذلك في حقيقة أن الفهم لا ينفصل عن المزاج، وأن الفهم لا يمكن تخيله بدون «عالم» أو «معنى»، والنقطة المحورية هنا هي أن «الفهم عند «هيدجر» أصبح أنطولوجيا»، ولعل نظرة فاحصة إلى مفهوم «العالم» عند «هيدجر» أن توضح ذلك، وهو ما سنحاوله في قسم لاحق، بعد أن نعرض لمفهوم «هيدجر» الثوري الإبداعي عن انتفاء ثنائية الذات والموضوع. (2-2) انتفاء ثنائية الذات/الموضوع

كيف تخرج «الذات» من عالمها الباطن لكي تصل إلى «الموضوع» الموجود في الخارج؟ يبدو أن «هيدجر» لا يحاول فك خيوط هذه العقدة الأزلية، ولا يتردد في إزاحتها بضربة قاضية (مثلما قطع الإسكندر عقدة جورديان) يعلن بها أن مشكلة وجود الواقع الخارجي وإثباته وعلاقة الذات به هي مشكلة زائفة لا تستحق عناء لحظة واحدة من التفكير! لماذا؟ لأن «الآنية» باعتبارها «وجودا في العالم» موجودة دائما في الخارج، أي في العالم المألوف، لنستمع إلى «هيدجر» وهو يقول في «الوجود والزمان»: «إن الآنية، في اتجاهها إلى الموجودات وإدراكها لها، لا تحتاج إلى مغادرة مجالها الداخلي الذي نتصورها حبيسة فيه، وإنما هي بحسب طبيعة وجودها الأولية موجودة دائما «في الخارج»، بالقرب من الموجود الذي تلتقي به في عالم تم اكتشافه بالفعل ... ثم إن إدراك الشيء المعروف ليس بمثابة رجوع بالفريسة التي غنمناها من الإدراك الخارجي إلى «بيت» الوعي والشعور، وإنما تظل الآنية العارفة، في أفعال الإدراك والاحتفاظ بما تدركه والإبقاء عليه، دائما في الخارج بوصفها آنية.» إنها إذن ليست بحاجة لما نسميه ب «العلو»، أو التخطي والتجاوز، إلى العالم؛ لأنها على الدوام «بالخارج» مع الموجودات التي تصادفها في هذا العالم، كما أنها دائما «بالداخل» باعتبارها «وجودا في العالم» يهتم بالأشياء وينشغل بأمرها، وصفوة القول أن المعرفة ليست هي التي تمكننا من إقامة العلاقة التي تربطنا بالعالم، بل إنها تفترض هذه العلاقة من قبل، بحيث لا تعدو أن تكون «تحولا» لهذه العلاقة نفسها: «في فعل المعرفة تكتسب الآنية موقف وجود جديد من العالم الذي سبق اكتشافه في الآنية»، كما أن المعرفة لا تخلق علاقة «تبادل» بين الذات والعالم، ولا هذه العلاقة تنشأ من تأثير العالم على الذات. إن المعرفة حال من أحوال الآنية يقوم على أساس الوجود في العالم، ولا جدال في أن هذا أسلوب جديد في التفكير، ولسنا مبالغين إذا استعرنا لغة كانت وقلنا إنها ثورة كوبرنيقية أذهلت بعض معاصري «هيدجر» وملأت صدور البعض الآخر بالنشوة والحماس.

5 (3) العالم وعلاقتنا بالأشياء الموجودة في العالم

يعوزنا فوات لندرك

وغياب لنرى.

إذا غاب الشيء برز حجمه، وتجلت قيمته، مما يجعل الطرح أيسر طريقة لقياس قدر الأشياء، اخلع هذا الشيء من مستقره وانظر حجم الفجوة التي كان يملؤها، امح، في الخاطر، عمل هذا الفنان أو ذاك، وانظر كم يعاني التراث الفني بافتقاده ، اطرح هذا الشخص في الظن أو في الحقيقة، وانظر كم يعتري المجلس في غيابه من وهن الفاقة أو من ذبول الشوق.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٦٣