لقد نجحت جزئيا، غير أن تأثر «هيدجر» بدلتاي ونيتشه، وكذلك طبيعة نقده للميتافيزيقا الغربية وبخاصة الأنطولوجيا، قد جعلاه متوجسا غاية التوجس من رغبة «هسرل» في رد كل الظواهر إلى الوعي الإنساني، أي إلى الذات الترانسندنتالية، لقد آمن «هيدجر» بأن حقيقة الوجود سابقة على الوعي والمعرفة الإنسانية وأكثر منهما بداءة وأساسية، بينما كان هسرل يميل إلى اعتبار كل شيء حتى حقيقة الوجود كمعطى من معطيات الوعي، لم يكن مثل هذا الموقف القائم على الذاتية ليقدم الإطار المناسب للنقد الذي كان يدور بخاطر «هيدجر»، ورغم نجاح فينومينولوجيا هسرل في تحقيق مراجعة تنقيحية طموح للإبستمولوجيا ما تزال ثمارها ملموسة اليوم في مجالات كثيرة، فهي لم تكن بحد ذاتها الأداة التي يمكن أن يستخدمها «هيدجر» في طرحه الجديد لقضية الوجود.
ومما يحمل دلالة كبيرة لتعريف الهرمنيوطيقا أن ذلك الصنف من الفينومينولوجيا الذي أنشأه «هيدجر» في كتابه «الوجود والزمان» يطلق عليه أحيانا اسم «الفينومينولوجيا التأويلية»
Hermeneutic Phenomenology ، وهو أكثر من مجرد بحث فرعي داخل الحقل الذي أسسه هسرل وألم به، فهو يشير إلى صنفين منفصلين تماما من الفينومينولوجيا، صحيح أن «هيدجر» قد أخذ الكثير عن هسرل، وأن كثرة مدهشة من تصوراته المبكرة تعود إلى أستاذه، غير أنه وضع هذه التصورات في سياق جديد وفي خدمة غرض مختلف، هكذا يكون من الخطأ أن ننظر إلى «المنهج الفينومينولوجي» على أنه مذهب صاغه هسرل واستخدمه «هيدجر» لغاية أخرى، فالحق أن «هيدجر» قد أعاد النظر في مفهوم الفينومينولوجيا ذاته، بحيث أخذت الفينومينولوجيا والمنهج الفينومينولوجي عنده طابعا مختلفا اختلافا جذريا.
يتمثل هذا الفرق بإيجاز في كلمة «هرمنيوطيقا» نفسها، فلم يسبق قط لهسرل أن استخدم هذه اللفظة في الإشارة إلى عمله، بينما صرح «هيدجر» في «الوجود والزمان» بأن الأبعاد الأصيلة لأي منهج فينومينولوجي تجعله هرمنيوطيقيا بالضرورة، لقد كان مشروعه في «الوجود والزمان» هو «تأويل للدازاين (الآنية)»
a Hermeneutic of Dasein ،
1
إن اختيار «هيدجر» لكلمة «هرمنيوطيقا» (وهي كلمة مشحونة بالدلالات، من جذورها اليونانية إلى استعمالها الحديث في فقه اللغة واللاهوت) لتومئ إلى التحيز ضد العلم والذي يقف على النقيض الواضح من موقف هسرل، وتنسحب الخصلة نفسها على «الهرمنيوطيقا الفلسفية» لهانز جيورج جادامر وتضفي على اللفظة نفسها نبرة عالية من العداء للنزعة العلمية (المتطرفة/التعالمية)
Antiscientism .
هذان الموقفان المتضادان تجاه العلم يمكن أن يكشفا الفروق بين هسرل و«هيدجر»، تلك الفروق التي ترتبت فيما يبدو على التنشئة الرياضية للأول والتنشئة اللاهوتية للثاني، أراد هسرل للفلسفة أن تكون «علما صارما»؛ تجريبية عليا، أما «هيدجر» فكان يرى أن كل ما بالوجود من صرامة لا يمكن أن يجعل من المعرفة العلمية غاية نهائية، لقد تجلت الميول العلمية لهسرل في سعيه إلى «معرفة ضرورية»
Apodictic Knowledge ، وفي ضروب «الرد»
Reduction
التي قال بها، وفي رغبة في استقصاء كل مرئي وكل متصور من خلال «الرد الماهوي»
Eidetic Reduction
أما «هيدجر» فلم يأت في كتاباته أي ذكر للمعرفة الضرورية أو الردود الترانسندنتالية أو بنية الأنا، وازداد بعد «الوجود والزمان» اتجاهه إلى إعادة تفسير الفلاسفة السابقين - كانت، نيتشه، هيجل - وإعادة تفسير شعر ريلكه وتراكل وهلدرلين، لقد صار تفكيره أكثر «تأويلية» بالمعنى التقليدي، أي مرتكزا على تأويل النصوص، وبينما ظل هسرل علميا بالدرجة الأساس (وهو ما ينعكس في الأهمية التي يحظى بها في علوم اليوم) فقد أصبحت الفلسفة عند «هيدجر» تاريخية، إعادة اكتشاف مبدعة للماضي، شكلا من التأويل، وحتى لو لم ينعت «هيدجر» تحليله للدازاين باسم «هرمنيوطيقا»، فإن اتجاهاته الأخيرة تجعله جديرا بلقب «فيلسوف تأويلي» بلا جدال.